قد قال الإمام ابن القيم: «وأما خصائصه المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به ﷺ: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (^١)، وكيف تحصى خصائص اسمٍ مُسمَّاه كل كمال على الاطلاق، وكل مدح، وكل حمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال، وكل إكرام، وكل عز، وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وبر وفضل فله ومنه، فما ذُكِر هذا الاسم في قليل إلا كَثَّره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند غم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وَسَّعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاد القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيا، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو الاسم الذي:
• تُكشف به الكربات،
• وتستنزل به البركات والدعوات،
• وتقال به العثرات،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ح ٤٨٦ (١/ ٣٥٢)، وأبو داود في الصلاة باب في الدعاء في الركوع والسجود ح ٨٦٥ (٣/ ١٣٢ العون)، وابن ماجه في الدعاء باب ما تعوذ منه ﷺ ح ٣٨٤١ وغيرهم.
[ ١٥٨ ]
• وتستدفع به السيئات
• وتستجلب به الحسنات،
• وهو الاسم الذي قامت به السموات والأرض،
• وبه أنزلت الكتب،
• وبه أرسلت الرسل،
• وبه شرعت الشرائع،
• وبه قامت الحدود،
• وبه شرع الجهاد،
• وبه انقسمت الخليقة إلى سعداء وأشقياء،
• وبه حقت الحاقة،
• ووقعت الواقعة،
• وبه وضعت الموازين القسط،
• ونصب الصراط،
• وقام سوق الجنة النار،
• وبه عُبد رب العالمين وحمد،
• وبحقه بعثت الرسل،
• وعنه السؤال في القبر، ويوم البعث والنشور،
• وبه الخصام،
• وإليه المحاكمة،
• وفيه الموالاة والمعاداة،
• وبه سعد من عرفه وقام بحقه،
[ ١٥٩ ]
• وبه شقي من جهله وترك حقه،
• فهو سر الخلق والأمر، وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا، فالخلق والأمر به وإليه ولأجله، فما وجد خلق ولا أمر ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئا منه منتهيا إليه، وذلك موجبه ومقتضاه، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] (^١).
• ومن ثمرات فقه لفظ الجلالة "الله"، أنه يورث المحبة. قال ابن القيّم - ﵀ -: فإنّ الإله هو الّذي يألَه العبادَ حبًّا، وذلاًّ، وخوفا، ورجاءً، وتعظيما، وطاعة له، بمعنى مألوه، وهو الّذي تألَهه القلوب أي: تحبّه وتذلّ له (^٢).
وفي حديث معاذ، يقول الله - تعالى - لنبيه: "سَلْ". فقال النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ. أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا» (^٣).
• ومن أعظم ثمرات فقه لفظ الجلالة "الله"، تحقيق الطمأنينة القلبية، كما قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
يقول ابن القيم - ﵀ -: إذ استغنى الناس بالدنيا، فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا، فافرح أنت بالله، وإذا أنس الناس
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٤ - ١٥).
(٢) انظر مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٢٧).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (٣٢٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣٢٣٥).
[ ١٦٠ ]
بأحبائهم، فأنس أنت بالله، وإذا ذهب الناسأ إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق، ويتوددون إليهم، فتودد أنت إلى الله (^١).
ولذلك جاء في الحديث: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ» (^٢).
• من الخصائص أنك إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة وما وصفته بالقهر، وإذا دعوته بالعليم فقد وصفته بالعلم وما وصفته بالقدرة، وأما إذا قلت (يا الله)، فقد وصفته بجميع الصفات؛ لأن الإله لا يكون إلهًا إلا إذا كان موصوفًا بجميع هذه الصفات، فثأبت أن قولنا: (الله) قد حصلت له هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر الأسماء (^٣).
• من خصائص هذا الاسم أنه طريق مستقيم في وصول الخلق إلى الله ﷾، وأن جميع أسماء الله تعالى تحت حيطة هذا الاسم، فلا يمكن الوصول إلى اسم الله وكنهه إلا بطريق أسماء الله تعالى وصفاته (^٤).
• من خصائص هذا الاسم الكريم سر أحديته في ذاته وتصرفه وحده في المخلوقات وإحاطته بها، والله من ورائها محيط، سر
_________________
(١) انظر الفوائد، لابن القيم (ص ١١٨).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٥١٦).
(٣) انظر تفسير الرازي (١/ ٨٩).
(٤) كتاب فتح الله بخصائص اسم الله، للروحاني (١/ ١٦٠).
[ ١٦١ ]
تصرفه فيها حسب ما يشاء ولا يشغله شأن عن شأن، وسر تقدسه وتنزهه عن الأشباه (^١).
• من خصائص الجلالة أن الله تعالى جعلها فاتحة وخاتمة الأذان والإقامة؛ فإن أول الأذانين التكبير أي: (الله أكبر) وأول التكبير هو الجلالة، ثم آخر الأذانين كلمة التوحيد أي: (لا إله إلا الله)، وآخرها إنما هو الجلالة والأذان من أبدع طاعات وأكرمها، خصت به هذه الأمة حتى أن أصحاب سائر الأديان يتأثرون منه كثيرًا ويتعجبون من حسن كلماته المنتظمة المستنيرة ويعترفون بمزيد سماع الأذان أنه يأخذ بالقلوب إليه بشدة كأن غاشية غيبية إلهية تغشى القلوب عند ذاك وتجذبها إليه (^٢).
• من خصائص اسم (الله) الكريم أنا مأمورون شرعًا أن نؤسس على هذا الاسم الجليل حياتنا ومماتنا، وأن نقيم عليه الحياة الدنيا والحياة البرزخية لنيل السعادة في الحياتين ولصون النفس عن آفاتهما فوقت الولادة مبدأ هذه الحياة، وفي وقت نزع الروح حيث إننا أمرنا بالتأذبن والإقامة في أذني مولود عند الولادة، وأول كلمة في الأذانين الاسم (الله)، وبذلك يصير الاسم (الله) أول ما يقرع سمع المولود وأول ما يتغلغل في قلبه ودماغه، ففي هذا حكم إشارة إلى أن كمال سعادة المرء مربوط بأن يبني على هذا الاسم الكريم حياته وعمره (^٣).
قال ابن القيم ﵀: وسر التأذين والله أعلم أن يكون أول ما
_________________
(١) كتاب فتح الله بخصائص اسم الله، للروحاني (١/ ٢٦٥).
(٢) كتاب فتح الله بخصائص اسم الله، للروحاني (١/ ٢٦٥).
(٣) كتاب فتح الله بخصائص اسم الله، للروحاني (١/ ٢٧٠).
[ ١٦٢ ]
يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثيره به وإن لم يشعر مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به.
وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم (^١).
_________________
(١) انظر تحفة المودود بأحكام المولود، لابن القيم (ص ٣١).
[ ١٦٣ ]