رجح جمع من أهل العلم أن الأقرب من تلك الأقوال هو " الله "؛ فهو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى، وعلى هذا أكثر أهل العلم.
١ - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: "اسم " الله " دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث". (^١)
٢ - وقال ابن أمير حاج الحنفي - رحمه الله تعالى: عن محمد بن الحسن قال: سمعتُ أبا حنيفة ﵀ يقول: اسم الله الأعظم هو " الله "، وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء (^٢).
٣ - وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي - رحمه الله تعالى:
في قرن الحمد بالجلالة الكريمة - دون سائر أسمائه تعالى- فائدتان:
الأولى: أن اسم " الله " علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى.
الثانية: أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل العلم الذي هو
_________________
(١) انظر مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٢)
(٢) انظر التقرير والتحبير، لابن الأمير الحاج (١/ ٥).
[ ١٠٩ ]
متصف بجميع المحامد (^١).
٤ - وقال الشربيني الشافعي - ﵀ -:
وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعًا (^٢).
٥ - وقال الشيخ عمر الأشقر - ﵀ -:
والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله)، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول ﷺ إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها.
ومما يُرجِّح أن (الله) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (٢٦٩٧) سبعًا وتسعين وستمائة وألفين - حسب إحصاء المعجم المفهرس - وورد بلفظ (اللهم) خمس مرات، في حين أنّ اسمًا آخر مما يختص بالله تعالى وهو (الرحمن) لم يرد ذكره إلا سبعًا وخمسين مرة، ويرجحه أيضًا: ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة (^٣).
ويأتي في الدرجة الثانية من القوة في كونه اسم الله الأعظم (الحي القيوم)، وهو قول طائفة من العلماء، ومنهم النووي، ورجحه الشيخ العثيمين ﵀ (^٤).
وقال ابن تيمية ﵀ في كلامه عن اسم (الحي): فالحي نفسه
_________________
(١) انظر شرح الكوكب المنير، لأبي البقاء الحنبلي (١/ ٢٤ - ٢٥).
(٢) انظر مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (١/ ٨٨).
(٣) انظر العقيدة في الله، لعمر الأشقر (ص ٢١٣).
(٤) انظر شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين (ص ١٦٦).
[ ١١٠ ]
مستلزم لجميع الصفات وهو أصلها ولهذا كان أعظم آية في القرآن: أ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٥] وهو الاسم الأعظم (^١).
وقد اختار هذا القول الإمام ابن القيم ﵀: وفي تأثير قوله: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم، ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال.
ونظير هذا توسل النبي - ﷺ - إلى ربه بربوبيته لجبريل، وميكائيل، وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة.
فجبريل: موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب.
وميكائيل: بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان.
وإسرافيل: بالنفخ في الصور، الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها.
فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى' لابن تيمية (١٨/ ٣١١).
[ ١١١ ]
بالحياة له تأثير في حصول المطلوب (^١).
وأما الشيخ رشيد فله رأي يجمع بين هذين الرأيين فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو (الله الحي القيوم) يقول الشيخ رشيد: وبجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة ما يعبر عنه بالاسم الأعظم هو القول الراجح المختار عندنا (^٢).
والذي يظهر أن الجزم بتحديد الاسم الأعظم وتعيينه على وجه قطعي من الأمور المتعذرة، لأن العلم به من الأمور الموقوفة على الوحي السماوي لا مجال للاجتهاد فيه، وما ورد عن النبي ﷺ في هذا الموضوع مما يمكن الاحتجاج به ليس صريحا في تعيينه وما روي عمن تقدم من العلماء في تحديده إنما هو اجتهاد منهم في فهم هذه النصوص الواردة.
وعليه فإن تحديد هذا الاسم على وجه القطع غير متيسر وقد أخفاه الله عنا بعد أن بين لنا الرسول ﷺ أهم خصائصه وبعض مواطن وجوده وأماكن تحريه لنجتهد في الثناء على الله تعالى بأسمائه ﷿ والتوسل إليه بأكبر قدر ممكن من أسمائه الحسنى خاصة ذات الشرف والفضل لعلنا نظفر بدعوة لله تعالى بهذا الاسم فتتحقق الإجابة.
ونظير ما نحن فيه أن الشارع الحكيم قد أخفى على وجه التحديد بعض الساعات والليالي التي تجاب فيها الدعوة بعد أن أوضح خصائصها ومواطن تحريها كليلة القدر وذلك والله أعلم لحفز الهمم على الاجتهاد في العبادة والدعاء في هذه الأوقات الفاضلة، فلا يبعد أن يكون إخفاء الاسم الأعظم من هذا القبيل. ومما يدل على خفاء الاسم الأعظم قلة الآثار الواردة عن السلف
_________________
(١) انظر زاد المعاد، لابن القيم (٤/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٢) انظر تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (١/ ٧٤) ..
[ ١١٢ ]
رضوان الله عليهم في هذا الموضوع سوى ما ذكر عن ابن عباس وابن مسعود ﵄. وكذلك من تكلم فيه من أهل العلم بعدهم قليل جدا ولو كان معروفا لاشتهر وانتشر والله أعلم.
ولا ننسى أن الله قد وعد بالإجابة لمن دعاه على وجه الإطلاق قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [غافر آية ٦٠]، وقال ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة آية ١٨٦].
وهذا دليل قطعي لا مجال للخلاف فيه ووعد مؤكد والله تعالى لا يخلف الميعاد. والإجابة متحققة بإذن الله تعالى عند توفر شروطها وانتفاء موانعها.
وأخيرا ينبغي أن يعلم أيضا أن تحديد الاسم الأعظم عند من قال به لا يعني أنه حد من رحمة الله وفضله بل إن تخصيص الاسم الأعظم من باب زيادة الخير للعباد والاستجابة لهم مع أن الأدعية الأخرى التي ليس فيها الاسم الأعظم قد يستجيب الله لها إذ توفرت الشروط وانتفت الموانع.
ولا يلزم كذلك أن تجاب كل دعوة دعا بها أحد بالاسم الأعظم لأن لإجابة الدعوة شروطا يجب أن تتوفر من أهمها الإخلاص وأكل الحلال وموانع لابد أن تزول كأكل الحرام ولبس الحرام فمن توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فهو ممن يُرجى قبول دعائه (^١).
_________________
(١) انظر: أسماء الله الحسنى لعبد الله بن صالح الغصن (١٩٨) واسم الله الأعظم للدكتور عبد الله الدميجي فقد بحث المسألة بحثا وافيا ومنه استفدت (٩٣ - ١٧١).
[ ١١٣ ]