ثم اختلفوا في أصل اشتقاقه على أقوال:
• فقيل هو مأخوذ من إله (^١)، وتقديرها فعلانية بالضم، تقول إله بين الإلهية والأُلهانية، وأصله من أَلِهَ يَاْلَهُ إذا تحير (^٢)، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف همه إليها، أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد.
قال أبو الهيثم: فالله أصله إله (^٣)، قال الله ﷿: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا. وحتى يكون لعابده خالقا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبد ظلمًا بل هو مخلوق ومُتعبد. قال: وأصل إله وِلَاهٌ (^٤)
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط (١٦٠٣) والصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧)، والعين (٤/ ٩٠)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٢)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، والمحكم (٤/ ٢٥٩).
(٢) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، وقال ابن فارس: فأما قولهم في التحير أَلِه يَأْلَهُ فليس من الباب لأن الهمزة واو. (١/ ١٢٧). (وانظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢٤)، والقاموس المحيط (١٦٠٣).
(٣) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٣).
(٤) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
[ ٦٦ ]
فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح إجاح، ومعنى وِلاه أن الخلق يَولَهون إليه في حوائجهم ويضرعون إليه فيما يصيبهم ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يَوله كل طفل إلى أمه (^١).
وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة (^٢).
وقد ضعف الزجاج هذا القول وهو أن أصل إله وِلَاه (^٣).
وقال ابن سيدَه (^٤): والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وقرأ ابن عباس «ويذرك وإلاهتك» بكسر الهمزة (^٥) أي وعبادتك، وهذه الأخيرة عند ثعلب كأنها هي المختارة. قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد فهو على هذا ذو إلاهية لا ذو آلهة والقراءة الأولى أكثر والقراء عليها.
قال ابن برِّي: يقوي ما ذهب إليه ابن عباس في قراءته: «ويذرك وإلاهتك» قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
(٢) انظر: القاموس المحيط (ص ١٦٠٣) والصحاح (٦/ ٢٢٢٤)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٨)، وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧)، والمحكم (٤/ ٢٥٩). (قلت وفي ذلك يقول ابن مالك في مثلثه. (والشمس سمّاها صدوق النبأة إلهة واضممه للإضراب. (فيقال الإلاهة والألاهة وألاهة وانظر المحكم لابن سيده (٤/ ٢٥٩).
(٣) انظر: اشتقاق أسماء الله ص ٢٧.
(٤) انظر: المحكم (٤/ ٢٥٩).
(٥) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٨).
(٦) انظر لسان العرب (١٣/ ٤٦٨) وتهذيب اللغة (٦/ ٤٢٤).
[ ٦٧ ]
وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة (^١).
قال الله ﷿: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي أصنام عبدها قوم فرعون معه والله أصله إلاه على فِعَال بمعنى مفعول لأنه مَأْلوه أي معبود كقولنا إمام فِعَال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام (^٢).
والمقرر في باب الاشتقاق أنه إذا ترددت الكلمة بين أصلين أو أكثر طلب الترجيح وله وجوه منها كون أحد الأصلين أشرف لأنه أحق بالوضع له والنفوس أذكر له وأقبل وقد مثلوا له بلفظ الجلالة فقالوا كدوران لفظ الجلالة الله فيمن اشتقها بين الاشتقاق من أله أو وله فيقال من أله أشرف وأقرب (^٣).
وثمة مذاهب أخر أعرضت عن ذكرها حتى لا يطول البحث، فإن من العلماء من أعرض عن تفسير لفظ الجلالة كما فعل ابن دريد فقال:
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، ولسان العرب (١٣/ ٤٦٩).
(٢) وإسنادها ضعيف، والقراءة الصحيحة المعروفة ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وأما هذه القراءة ﴿وإلاهتك﴾ فقد نقلها صاحب إتحاف البشر (ص ٢٢٩) عن ابن محيصن والحسن. ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة (٤٥) عن علي وابن مسعود وابن عباس وذكرها أبو حيان في البحر (٤/ ٣٦٧) عن هؤلاء الثلاثة وأنس وجماعة غيرهم. وذكر ابن الجوزي في «زاد المسير» (٣/ ٢٤٤) أن من قرأ بهذه القراءة كذلك سعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية. انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٦٠).
(٣) المزهر في علوم اللغة (١/ ٣٤٩)، والعلم الخفاق من علم الاشتقاق لمحمد صديق حسن خان (ص ١٠٤).
[ ٦٨ ]
«فأما اشتقاق اسم الله ﷿ فقد أقدم قوم على تفسيره ولا أحب أن أقول فيه شيئًا» (^١).
وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه اسم موضوع هكذا لله وليس أصله إله ولا ولاه ولا لاه.
قال: والدليل على ذلك أني أرى لقولي الله فضل مزية على إله وأني أعقل به مالا أعقل بقوله إله.
وذكر قطرب وغيره من أصحاب العربية أن هذا الإسم لكثرة دوره في الكلام واستعماله قد كثرت فيه اللغات فمن العرب من يقول والله لا أفعل ومنهم من يقول لَاهِ لا أفعل ومنهم من يقول واللهْ بإسكان الهاء وترك تفخيم اللام ومنهم من يقول واه لا أفعل ذلك (^٢)، إلى غير ذلك من الأقوال وقد أوصلها بعضهم إلى ثلاثين قولا (^٣). وهو من الغرائب بل ومن المصائب التي وقعت في هذه الأمة، وإلى ذلك أشار العلَامة ابن قيم الجوزية بقوله:
ومن المصائب قول قائلهم بأنّ … الله أظْهَرُ لفظةٍ بلسانِ
وخلافهم فيه كثير ظاهر … عربي وضع ذاك أم سرياني (^٤)
وكذا اختلافهم أمشتقًا يُرَى … أم جامدا قولان مشهوران
والأصل ماذا فيه خلف ثابت … عند النحاة وذاك ذو ألوان
هذا ولفظ الله أظهر لفظة … نطق اللسان بها مدى الأزمان
_________________
(١) الاشتقاق لابن دريد (ص ١١).
(٢) انظر: شرح أسماء الله للزجاجي (ص ٢٨).
(٣) أشار إلى ذلك الزبيدي في «تاج العروس» (٩/ ٣٧٤).
(٤) وممن قال ذلك أبو زيد البلخي حيث قال: قولنا الله ليس من الألفاظ العربية. انظر: لوامع البينات للرازي (ص ٧٩).
[ ٦٩ ]
فانظر بحق الله ماذا في الذي … قالوه من لبس ومن بهتان
هل خالف العقلاء أن الله ربُّ … العالمين مدبِّرُ الأكوان
ما فيه إجمال ولا هو موهم … نقلَ المجاز ولاله وضعان
والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا … في وضعه لم يختلف رجلان
وإذا همُ اختلفوا بلفظةِ مَكَّةٍ … فيه لهم قولان معروفان
أفبينهم خُلْفٌ بأن مرادهم … حَرَمُ الإله وقبلة البلدان
وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمدٍ … فيه لهم قولان مذكوران
أفبينهم خلف بأن مرادهم … منه رسول الله ذو البرهان
ونظير هذا ليس يُحْصَرُ كثرةً … يا قوم فاستحيوا من الرحمن (^١)
إن أصحاب هذا القانون قالوا: أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف، هل هو مشتق أم لا؟ وهل هو من مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه إذا احتجب (^٢)، وكذلك اسم الصلاة (^٣) وفيه من الاختلاف ما فيه، هل هو مشتق من الدعاء أو
_________________
(١) الكافية الشافية (ص ١٩٩)، وانظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد لابن عيسى (٢/ ١٠٩).
(٢) قلتُ جمعها الناظم وهو محمد سيدِ بن أبتِ اليعقوبي الشنقيطي بقوله: الله مشتق وقيل مرتجل وهو أعرف المعرفات جل أَلَهَ أي عبد أو من الأَلَه وهو اعتماد الخلق أو من الوله أو المحجَّب عن العيان من لاهت العروس في البنيان أو أَلِه الحيران من قول العرب أو من أَلِهْتُ أي سكنت للأرب
(٣) قال في مطالع المسرات: الصلاة أصلها الإنحناء والانعطاف مأخوذة من الصّلوين وهما عرقان في الظهر، ينحنيان في الركوع والسجود. قال النووي: «قيل في اشتقاقها أقوال كثيرة، أكثرها باطل». انتهى وذكر عياض في الشبهات أقوالًا وحاصلها ما قاله الناظم لها في قوله: من الصّلا الصّلاة والتصليةُ أو المصلي والصّلا والصلةُ انظر: مشتهى الخارف الجاني للشيخ محمد الخضر الجكني ص ٣٨٠.
[ ٧٠ ]
من الاتباع أو من تحريك الصلوين وهما عرقان يمتدان من الظفر يكتنفان عجب الذنب، فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره.
فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض علمائهم وجهلائهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن الله اسم لرب العالمين خالق السموات والأرض الذي يحي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به المسمّى وهو أظهر عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمّى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وليس هذا نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا اللفظ لا يخرج اللفظ عن إفادته السامع اليقين بمسماه (^١).
_________________
(١) مختصر الصواعق (١/ ٧٩).
[ ٧١ ]