• وإلى هذا ذهب ابن جرير (^١) ﵀ وهي رواية عن الخليل بن أحمد (^٢) وكذا ابن قيم الجوزية (^٣) وغيرهم، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا (^٤) ومحمد الطاهر بن عاشور (^٥)، وغيرهما.
• أدلتهم
الاشتقاق في أسماء الله الحسنى
إن صفاته معان قائمة بذاته والأسماء أعلام والأسماء تدل على الصفات وهي مشتقة منها وصفاته دلت على أسمائه (^٦). فتحصل من هذا أن هذه القاعدة تعالج موضوع الأسماء والصفات من ستة وجوه:
الأول: من جهة كونها معان دالةً على الكمال.
الثاني: من جهة قيام الصفات بالرب ﷿.
الثالث: من جهة دلالة الأسماء على العلمية.
الرابع: من جهة دلالة الأسماء على الصفات.
الخامس: من جهة اشتقاق الأسماء من الصفات.
السادس: من جهة الصفات على الأسماء.
فمعرفة أسماء الله وصفاته هي الوسيلة الكبرى لمعرفة ذاته
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١/ ١٢٢).
(٢) أشار إلى ذلك ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٨).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٢).
(٤) انظر: تفسير المنار (١/ ٤٤).
(٥) انظر: تفسير التحرير والتنوير (١/ ١٦٢).
(٦) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد لابن عيسى (٢/ ١٢٨).
[ ٥٧ ]
المفصحة عن طريق معاملته وعبادته وما يجب له من شكر نعمه والحمد على آلائه، لأن تكاثر صفات الموصوف أسماءه من أعظم الدلالات على كماله، ولذا فلا بد أن تكون هذه الصفات دالة على معان كمالية في الموصوف وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أن المراد بذكرها مدح الموصوف بها ولا مدح فيما لا يدل على معنى فيه ثناء على الممدوح (^١).
الوجه الثاني: أن صفاته لو كانت ألفاظًا مجردة لا دلالة فيها على المعاني الكمالية لكان في القرآن ما لا معنى له وهو باطل.
الوجه الثالث: أن الصفات ألفاظ عربية والعرب لا تضع كلمة إلا للدلالة على معنى تريده.
الوجه الرابع: أنها لو لم تدل على معان جمالية لما كان في إضافتها إلى الرب ﷿ فائدة فلا حاجة لمعرفتها فضلًا عن الحاجة للتكليف بالإيمان بها.
الوجه الخامس: أن موجب تسميتها صفة دلالتها على معنى في الموصوف.
الوجه السادس: أن ما لا دلالة له على معنى لا يشتق منه شيء والصفات اشتقت منها أسماء كالرحمن من الرحمة والحكيم من الحكمة ولو لم تدل على شيء لامتنع الاشتقاق إذ لابد من تناسب في المعنى بين المشتق والمشتق منه.
الوجه السابع: أنها لو لم تدل على معاني المدح والثناء لما صح الإخبار عنه بأفعالها كيسمع ويرى ويعلم ويقدر، فإن ثبوت
_________________
(١) الكواشف الجلية ص ١٦٤، والتنبيهات السنية ص ١٠٧.
[ ٥٨ ]
أحكام الصفة فرع ثبوتها (^١).
الوجه الثامن: أنها لو لم تدل على ما يمدح به الرب ﷿ لم يكن بينها فرق، والفرق بينها في الدلالة والتعبير مما لا ينكره عاقل.
الوجه التاسع: انعقاد الإجماع على أن من حلف بصفة من صفات الله كسمعه وبصره وقوته كانت يمينه منعقدة، فلو كانت لا كمال فيها فلا معنى للحلف بها إذ الحلف عن تعظيم واللفظ المجردة لا يعظم لأنه مقصود لغيره. فإن صاحبه شيء من التعظيم فلما يشتمل عليه من معنى كمالي.
الوجه العاشر: أنها لو لم تدل على حمد الرب والثناء عليه لما اختصت به إذ ما الفرق بين إطلاق السمع على الله وعلى العبد ما دام المراد إجراء اللفظ.
الوجه الحادي عشر: أنها لو لم تدل على الكمال والجمال لما كان لنفي التشبيه فيها بعد إثباتها معنى إذ نفي التشبيه يتوجه للمدلول الممدوح دون اللفظ المجرد عن المعاني وإذا تقرر بما سبق اشتمال الصفات على الدلالة على معاني الكمال والجمال والجلال، فلا بد وأن تكون قائمة بالرب ﷿ على معنى اتصافه بها على وجه الاختصاص به سبحانه لأن ثبوت الصفة لموصوفها يمنع من الشركة فيها ويوجب اختصاصه بها ولأن المعاني لا تقوم بنفسها بل بمن وصف بها إذ لا يوجد في الوجود الخارجي معنى مستقل بذاته عن الموصوف به ولأنه لو انفصل عنه لما كان صفة له إذ لا يقوم بالشيء معنى فارقه، ولما كانت أسماء لله دالة على الوصفية كان لابد وأن يكون منشأ الاشتقاق هو الوصف إذ
_________________
(١) التفسير القيم ص ٢٩، مدارج السالكين (١/ ٢٩).
[ ٥٩ ]
الأسماء في أصلها جامدة ولا تلمح الدلالة منها على الوصفية إلا إذا ألمح أصلها وهو الوصف ومما يوضح الأمر ويجليه أن الأسماء في اللغة لا تدل على الوصف لذاتها إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: منها كون الاسم مشتقًا كمحمود ونحوه.
الثاني: دخول أل الاسمية الدالة على لمح الأصل على العلم كالنعمان فدخول أل عليه يراد به لمح أصله وهو حمرة الدم.
الثالث: ما جاء السماع بجريان الوصف على وزنه كفَعَلْ وفَعِيل ومن أمثلته فرج وجميل.
ولما كانت أسماء الله تعالى دالة على الوصفية كان الوصف مصدرًا لها وهي مشتقة منه وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أنها لو لم تشتق من صفة لم تكن حسنى (^١) إذ إن نسبة الحسن إليها تدل على أنها مشتقة من معنى حسن.
الأمر الثاني: ولأنه لو سمي سميعًا ولا سمع له لكان الاسم كاذبًا وهذا ما لا يعقل في أسماء الله.
الأمر الثالث: أن الصفة إذا ثبتت للموصوف اشتق له اسم منها إذا كانت مما يشتق منها (^٢).
الأمر الرابع: دلالتها على الوصفية إذ لو لم تكن أسماؤه مشتقة من صفاته لما دلت عليها.
الأمر الخامس: المناسبة الظاهرة بين ألفاظ الأسماء والصفات ومعانيها.
_________________
(١) التنبيهات السنية ص ١٠٧، والكواشف الجلية ص ١٦٤.
(٢) التفسير القيم ص ٢٨، مدارج السالكين (١/ ٢٨).
[ ٦٠ ]
وينبني على اشتقاق الأسماء من الصفات دلالة الصفات على الأسماء لأن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه، فإذا وصف الرب ﷿ بالسمع فإن من لوازم ذلك تسميته بالسميع إذ لا يقوم السمع إلا بسميع ومن ليس كذلك فلا ينسب السمع له ودلالة الصفة على الاسم تابعة لطريقة استعمالها في الكتاب والسنة والصفات في الاستعمال الشرعي على ضربين (^١).
الضرب الأول: ما جاء في النصوص الوصف بلفظه مطلقًا واشتق لله منه اسم كالسمع والبصر فهي دالة على هذا الاسم دلالة لزومية إذ لا يعقل في الوجود صفة سمع بلا سميع ولا صفة بصر بلا بصير.
الضرب الثاني: ما جاء في النصوص الفعل منه وهو نوعان:
أحدهما: ما وصف الله به نفسه مطلقًا كصفة الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، فهي دالة على ما اشتق منها من أسماء كالخالق والرازق والمحيي والمميت دلالة لزوم كالضرب الأول إذ لا يصح في المعقول صفة خلق بلا خالق وصفة رزق بلا رازق وهكذا.
الثاني: أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة كصفة مخادعته للكافرين ومكره بهم ونسيانه إياهم ونحوها.
فهي دالة على ما يناسب معناها من الأسماء إلا أنها ليست من أسمائه الحسنى فلا تكون مما يقصد في هذا الأصل إذ هو يبحث في دلالة الصفات التي اشتقت منها أسماؤه الحسنى دون ما جرى من الأسماء في الإخبار بقيده.
_________________
(١) توضيح المقاصد لابن عيسى (١/ ٢٩٤).
[ ٦١ ]
فتحرر بذلك أن باب دلالة الصفات على الأسماء أوسع من باب الاشتقاق منها فما من صفة إلا وهي تدل على اسم إلا أن الدلالة لا تلازم الاشتقاق لأن مرجع الدلالة لغوي ومصدر الاشتقاق شرعي فما دلت عليه اللغة أوسع مجالًا مما دل عليه الشرع لما في المعاني اللغوية من التسامح في الاستعمال دون المعاني الشرعية التي تبنى على ورود نصوص الشرع بها ولذا يسمى الله بما مصدره الشرع من الأسماء ولا يسمى بما كان موجبه اللغة فاشتملت دلالة الصفة شرعًا على أمرين:
الأول: دلالتها على الاسم بالتلازم وهو أمر عقلي.
الثاني: دلالتها على الاسم بمعنى اشتقاقه منها لفظًا ومعنى وهو أمر لغوي شرعي فبان أن ما يقرره الشرع لا يخالف اللغة مطلقًا، لأن من مباني الشرعيات أصولًا لغوية وأما اللغة فيتسامح فيها بما لا يتسامح فيه شرعًا.
وبالنظر فيما تقدم يتبين اشتمال هذه القاعدة على عدة نتائج:
النتيجة الأولى: أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف (^١) وأنه لا تنافي بين هذين الأمرين بالنسبة للرب ﷿.
النتيجة الثانية: أن ما لم يقم بذاته فليس بوصف له.
النتيجة الثالثة: أن أسماءه وصفاته كذاته في القدم والأزلية.
النتيجة الرابعة: أن مما بني على كون أسمائه حسنى عدم دلالتها على الذم مطلقًا سواء في باب الإخبار أو التسمية.
_________________
(١) انظر: الكواشف الجلية ص ١٦٤، الأسئلة والأجوبة الأصولية ص ١٦١، التنبيهات السنية ص ١٠٧، التفسير القيم ص ٢٨، ومدارج السالكين (١/ ٢٨).
[ ٦٢ ]
النتيجة الخامسة: أن التسمية ملازمة للوصفية وأما الوصفية فربما وصف الرب بصفة ولم يطلق عليه اسم منها، فباب الصفات أوسع من باب التسمية من جهة أن كل اسم له تعالى فلا بد وأنه مشتق من صفة وأما كل صفة فلا يجب أن يشتق له اسم منها.
النتيحة السادسة: أن دلالة الصفات على الأسماء دلالة لغوية واشتقاق الأسماء من الصفات أحكام شرعية، فباب دلالة الصفات أوسع من باب اشتقاق الأسماء.
النتيجة السابعة: أن أسماء الله تفارق المخلوقين في أن أفعاله تعالى مشتقة من أسمائه وأما المخلوقين فأسماؤهم مشتقة من أفعالهم (^١) فيستدل بأسمائه على ما يمكن أن يتصف به من الأفعال فيقال اسمه حكيم فأفعاله في غاية الحكمة، وأما المخلوقون فيستدل بأفعالهم على أسمائهم فيقال: بخل فهو بخيل، وأكرم فهو كريم ونحو ذلك.
النتيجة الثامنة: أن كل اسم من أسمائه مشتق من صفة مستقلة بمعناها فله كمال من كل اسم سمى به نفسه ومن كل صفة اشتق منها ذلك الاسم (^٢).
النتيجة التاسعة: أن تعدد الأسماء والصفات تكثير لأنواع الكمال وبيان لأصناف جمال الخالق وليس هو تعدادًا في الذوات.
النتيجة العاشرة: أن ما ثبت وصف الرب ﷿ به مطلقًا في
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١٧٩ - ١٨٠).
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٤١٧).
[ ٦٣ ]
الكتاب والسنة أخبر عنه بأفعالها، فيقال يسمع ويرى ويعلم ونحو ذلك (^١).
النتيجة الحادية عشر: أن ثبوت أحكام الصفات للموصوف مرتب على ثبوت الصفات له في نفس الأمر، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها (^٢).
النتيجة الثانية عشر: أن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة -عند من يقول بذلك من أهل السنة- لغلبة (^٣) الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبرًا لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم.
النتيجة الثالثة عشر: أن ثبوت الصفة للموصوف يدل على ثبوت المشتق منها له وتوضيح ذلك أنه لما اتصف سبحانه بالعلم اشتق له منها اسم العليم ولما اتصف سبحانه بالرحمة اشتق له منها اسم الرحمن (^٤).
والصحيح في الأقوال التي ذكرت أن الله أصله الإله وهو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، كما نص على ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ (^٥)، وقد سبق بيان ذلك فيما إذا ترددت كلمة بين أصلين أو أكثر وأنه يطلب الترجيح وله وجوه.
_________________
(١) انظر: التفسير القيم ص ٢٩، ومدارج السالكين (١/ ٢٩).
(٢) التفسير القيم ص ٢٩، مدارج السالكين (١/ ٢٩).
(٣) ويرى بعض اللغويين أنه ليس من قبيل العلم بالغلبة بل من قبيل العلم بالانحصار مثل الشمس والقمر، التحرير والتنوير (١/ ١٦٣).
(٤) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد (٢/ ١٢٨)، وانظر القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف للدكتور إبراهيم البريكان (٢٥١ - ٢٥٨).
(٥) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٣).
[ ٦٤ ]
• الترجيح: وبعد عرض ما سبق، يترجح لنا أن قول من قال إن لفظ الجلالة مشتق (^١) وإنه هو الصحيح، كما هو قول المحققين من أهل العلم، وأما قول القائلين بعدم اشتقاقه فمذهبهم مرجوح.
وعليه فإن أسماء الله مشتقة من صفاته أو أفعاله، فالاسم إذا أطلق جاز أن يؤخذ منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا؛ نحو (السميع والقدير) يطلق عليه منه السمع والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، هذا إن كان الفعل متعديًا.
أما إن كان الفعل لازما، فإنه يطلق عليه منه الاسم والصفة دون الفعل، نحو الحي فإنه يثبت لله اسم الحي وصفة الحياة أما الإخبار بالفعل فلا يقال حيي (^٢)، ولا يحق لأحد أن يشتق من الفعل أو من الصفة إسمًا إلا ما ورد الشرع به لأن الأسماء توقيفية فلا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ
فإذا ثبت الاسم بالنص علمنا أنه مشتق من الصفة والفعل أو من الصفة فقط (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) قال العلامة الكافيجي: «إن اشتقاق لفظ الله من أله أو من وله من الاشتقاق الكبير لما بين الحروف من التناسب ويصلح أن يكون صغيرًا» انتهى. انظر: أنوار السعادة (ق ٤)، والمزهر للسيوطي (١/ ٣٤٥).
(٢) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٧، ١٦٢)، وشفاء العليل (ص ٥٦٦) ومدارج السالكين (١/ ٢٨).
(٣) وانظر: اختلاف الناس في اشتقاق أسماء الله في معنى كتاب معنى لا إله إلا الله للزركشي ص ١٤١ - ١٤٥، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٢٦).
[ ٦٥ ]