إن من فضل الله ونعمته على أهل السنة أن وفقهم للعمل بكتابه وسنة رسوله ﷺ، فالهداية والنور والحق إنما هي في الكتاب والسنة، فالله يقول في شأن كتابه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]، وقال ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، وقال تعالى ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [الرعد ١].
وقال في شأن رسوله ﷺ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [الشورى ٥٢]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق ١١].
فكل إنسان لا يمكنه أن يخرج من ظلمات الجهل والشرك والكفر والشك إلى نور العلم والتوحيد والإيمان واليقين إلا بالكتاب والسنة، ففيهما بحمد الله طريق الهدى وسبيل الرشاد، وضياء النفوس وشفاء الصدور، وبصائر القلوب والتذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعلوم أن كل من سلك إلى الله ﷿ علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة
[ ١١ ]
وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيع فلا بد أن يسلك بنيات الطريق، بخلاف الطريق المشروعة في العلم والعمل، فإنها أقوم طريق ليس فيها عوج، فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذه سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليه ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (^١).
ومعلوم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله (^٢).
ولقد كان من نتاج ذلك البعد والإعراض الذي وقع فيه هؤلاء المبتدعة إلحادهم في أسماء الله الحسنى، بنوعيه الجلي الواضح والخفي غير المباشر معاندة ومشاقة لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٨٠].
فمسألة أسماء الله مع وضوحها وجلائها في النصوص، مع ذلك لم تسلم من إلحاد المعطلة على اختلاف طوائفهم (^٣)، فأحببت
_________________
(١) رواه أحمد (٤٤٣٧).
(٢) الفتوى الحموية ص ٦.
(٣) المعطلة ينقسمون إلى: فلاسفة وأهل الكلام. أما الفلاسفة فينقسمون إلى: أهل فلسفة محضة كالفارابي والكندي. وإلى أهل فلسفة باطنية. وأهل الفلسفة الناطنية ينقسمون إلى: رافضية إسماعلية كابن سينا وإخوان الصفا. وإلى صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين. أما أهل الكلام فهم الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. أما مسالك التعطيل فتنقسم إلى قسمين هما: المسلك الأول: مسلك التبديل (تبديل المعاني). وينقسم إلى مسلك الوهم والتخييل (الفلاسفة). ومسلك التحريف والتأويل (أهل الكلام) وهم من يزعم أن المراد خلاف مدلول الظاهر وينبغي علم ذلك المراد عما سوى الله. وأما المسلك الثاني: فمسلك التجهيل (أي من يزعم الجهل معانيها) وهم ينقسمون إلى قسمين: فهناك قسم يزعم أن المراد خلاف مدلول الظاهر، وينفي علم ذلك المراد عما سوى الله. وهناك من يزعم أنها تجرى على ظاهرة، ومع ذلك لا يعلم تأويلها إلا الله.
[ ١٢ ]
أن أعرض في هذا التمهيد لتلك الأقوال التي صدرت عن هؤلاء، لأجل أن تعرف المقالات والمذاهب في هذا الباب وما هي عليه من الدرجات والمراتب ليعطى كل ذي حق حقه ويعرف المسلم أين يضع قدمه، وإن كان ليس المقصود في هذا التمهيد بيان خطأ هؤلاء وبيان ما في مقالاتهم من الخطأ والصواب، وموافقة أهل السنة ومخالفتهم، بل أن يعلم مقالة كل فريق على حقيقتها.
ثم إن العرض لهذه الأقوال المخالفة، ثم إتباع ذلك بعرض قول أهل السنة هو من باب إظهار حسن الشيء بذكر ضده، كما قيل «الضد يظهر حسنه الضد» و«وبضدها تتميز الأشياء». والقصد
[ ١٣ ]
في ذلك أن يتبين للقارئ الكريم معالم معتقد أهل السنة في باب الأسماء الحسنى وما تميز واختص به من بين سائر الأقوال الأخرى، الأمر الذي يساعد على تصور فهم ما سيعرض في هذه الدراسة من مسائل ومباحث لها صلة وعلاقة بما أظهرته تلك الطوائف من مقالات فاسدة في باب أسماء الله الحسنى.
وإليك عرض تلك الأقوال المخالفة وهي أربعة أقوال ثم أتبعها بذكر القول الخامس وهو قول أهل السنة والجماعة:
القول الأول: من يقول إن الله لا يسمى بشيء.
وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة والفلاسفة.
وهؤلاء المعطلة نفاة الأسماء لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك هي:
المسلك الأول: الاقتصار على نفي الإثبات فقالوا لا يسمى بإثبات.
المسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثبات ولا نفي.
المسلك الثالث: السكوت عن الأمرين الإثبات والنفي.
المسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها.
فهم بذلك اتفقوا على إنكار الأسماء جميعًا، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار.
١ - فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك:
أ - أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء، لزم أن يكون متصفًا
[ ١٤ ]
بمعنى الاسم كالحياة والعلم؛ فإن صدق المشتق -أي الاسم كالعليم- مستلزم لصدق المشتق منه -أي الصفة كالعلم-، وذلك محال عندهم.
ب - ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن مشابهة الغير (^١).
فهؤلاء المعطلة المحضة -نفاة الأسماء- يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهًا، فيقولون: إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين؛ وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا إذا قلنا إنه موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الموجود (^٢).
وهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئًا لا حيًا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز» (^٣).
وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (^٤).
٢ - وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيها بالموجودات وفي النفي تشيبها له بالمعدومات، وكل ذلك تشبيه (^٥).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠)، ودرء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٦٧)، والصفدية (١/ ٨٨ - ٨٩ - ٩٦ - ٩٧).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣، ٥٢٤).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣١١).
(٤) الصفدية (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠).
[ ١٥ ]
والمسلك الثاني: ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا يقال ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد.
قالوا لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيها له بما ينفي عنه هذه الصفات (^١).
٣ - وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم لا بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم، ولكن نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه (^٢).
وأصحاب المسلك الثالث هم المتجاهلة اللاأدرية.
وأصحاب المسلك الثاني هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.
وأصحاب المسلك الأول هم المكذبة النفاة.
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.
(٢) الصفدية (١/ ٩٦ - ٩٨).
[ ١٦ ]
٤ - وهناك مسلك رابع يقول بتصويب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة، كابن عربي ونحوه الذي يقول بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال:
عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا أعتقد جميع ما عقدوه
فأصحاب وحدة الوجود يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد (^١).
وهذا منتهى قول طوائف المعطلة (^٢).
وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو وجود مطلق أي وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية، وقالوا لا نقول موجود ولا معدوم، أو قالوا: هو لا موجود ولا معدوم (^٣).
حكم القول بنفي الأسماء:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم، من نفي الأسماء الحسنى كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ» (^٤).
القول الثاني: أن الله يسمى بالخالق القادر فقط.
وهذا القول منسوب كذلك للجهم بن صفوان.
_________________
(١) شرح القصيدة النونية للهراس (٢/ ١٢٦).
(٢) الصفدية (١/ ٩٨ - ٩٩).
(٣) الصفدية (١/ ١١٦ - ١١٧).
(٤) النبوات ص ١٩٨.
[ ١٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء؛ وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق فلم يسمه إلا بالخالق القادر، لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له» (^١).
وقال أيضًا: «ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمي الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق، كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادرًا خالقًا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية» (^٢).
القول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات
وهذا قول المعتزلة فهم يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه، يقول ابن المرتضى المعتزلي: «فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا قديمًا قادرًا عالمًا حيًا لا لمعان» (^٣).
ولهم في ذلك النفي مسلكان:
المسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة (^٤)
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧). وانظر: الأنساب للسمعاني (٢/ ١٣٣).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٠).
(٣) كتاب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل» لأحمد بن يحيى بن المرتضى ص ٦، ط: دار صادر، بيروت. شرح الأصول الخمسة ص ١٥١ للقاضي عبد الجبار، مقالات الإسلاميين ص ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) المترادفة: أي اختلفت في ألفاظها واتحدت في مدلولاتها (فالرحمن والقدير والعزيز) اختلفت في ألفاظها واتحدت في دلالتها على مسمى الله. (فأسماء الله الحسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس له المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر. انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص ١٧٥.
[ ١٨ ]
التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام خالصة لا تدل على صفة والمحضة الخالصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك أعلام لله ليس دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي: مترادفة، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة بزيد وعمرو ومحمد وعلي، فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (^١).
المسلك الثاني: من يقول منهم إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما وقديرًا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة.
ولذلك يقولون عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.
وقول المعتزلة وإن كان دون قول الجهمية، لكنه عظيم أيضًا (^٢).
قال أبو الحسن الأشعري: «وزعمت الجهمية -يعني المعتزلة- أن الله ﷿ لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه، لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم؛ وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة
_________________
(١) التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية (١/ ٤٦).
(٢) النبوات ص ١٩٨.
[ ١٩ ]
والتعطيل، لأن الزنادقة قال كثير منهم: إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، استعظموا ذلك لما فيه من تكذيب القرآن تكذيبًا ظاهر الخروج عن العقل، فأقروا بالأسماء ونفوا الصفات، فصاروا هم كذلك متناقضين، فإن إثبات حي عليم قدير حكيم سميع بصير، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، ولا حكمة ولا سمع، ولا بصر، مكابرة للعقل كإثبات مصلٍّ بلا صلاة وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة كأسماء الفاعلين والصفات المعدولة عنها» (^٢).
وقد ضم المعتزلة إلى بدعتهم هذه بدعًا أخرى منها:
١ - قولهم بأن أسماء الله مخلوقة.
٢ - قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية.
أما قولهم بأن أسماء الله مخلوقة فلأنهم يقولون: الاسم غير المسمّى، وأسماء الله غيره، وماكان غيره فهو مخلوق، ويقولون إن كلام الله مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمّى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون إنه
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة ص ١٠٧ - ١٠٨، الناشر: مكتبة دار البيان.
(٢) النبوات ص ٦٣ - ٦٤ بتصرف.
[ ٢٠ ]
تكلم به، وسمى نفسه بهذه الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها كلام القائم به. فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه.
وقد ذم السلف المعتزلة بقولهم هذا وغلَّظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمِّي لنفسه بما فيه من الأسماء.
ولهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: «إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة» (^١).
وقال الإمام أحمد: «من قال أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر» (^٢).
وأما بدعتهم الثالثة في أسماء الله فهي قولهم بأن أسماء الله غير توقيفية.
فقد نقل البغدادي عن المعتزلة البصرية أنهم أجازوا إطلاق الأسماء على الله بالقياس (^٣).
وقال أبو الحسن الأشعري: «واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسمي الباريء عالما من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا على مقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٥ - ١٨٧) باختصار.
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ١١٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٩).
(٣) الفرق بين الفرق ص ٣٣٧.
[ ٢١ ]
عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (^١).
- موافقة ابن حزم للمعتزلة في مسألة نفي معاني الأسماء:
هذا القول بإثبات الأسماء ونفي الصفات قال به أيضًا بعض متكلمة الظاهرية (^٢) كابن حزم الذي قال: «إن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلا» (^٣).
وهذا القول لابن حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات هو بعينه مسلك المعتزلة في الصفات كما سبق وأن بيناه. ومثل هذه المقالات إنما هي في الحقيقة سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات.
القول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معاني بعضها وتحريف معاني البعض الآخر، وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ص ١٩٧.
(٢) إمام الظاهرية داود الظاهري وأكابر أصحابه كانوا من المثبتين للصفات على مذهب أهل السنة والحديث، ولكن من أصحابه طائفة سلكت مسلك المعتزلة ووافقوهم في مسائل الصفات وإن خالفوهم في القدر والوعيد. شرح الأصفهانية ص ٧٧ - ٧٨.
(٣) الفصل (٢/ ١٦١)، وشرح الأصفهانية ص ٧٦.
[ ٢٢ ]
ورأيهم في هذه المسألة مبني على قولهم في صفات الله تعالى.
فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية وبالتالي لا يثبتون معاني الأسماء التي اشتقت من الصفات الاختيارية على الوجه الصحيح.
وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات وهي: (العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والإرادة والكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) (^١).
فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالًا على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه.
ومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط وهي: (العليم) و(القدير) و(الحي) و(السميع) و(البصير)؛ فهذه الخمسة يثبتون معناها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و(البصر) إلى (العلم) ولكن جمهورهم على خلاف ذلك (^٢).
_________________
(١) انظر: تحفة المريد ص ٦٣، وإشارات المرام ص ١٠٧ - ١١٤، وكتاب الماتريدية دراسة وتقويم ص ٢٣٩، وكتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (٢/ ٤٣٠)، ورسالة منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف ص ٤٠١.
(٢) كتاب لباب العقول للمكلاتي ص ٢١٣، ٢١٤، شرح الأصفهانية ص ٤٤٥، والمسايرة لابن الهمام ص ٦٧، وكتاب الماتريدية دراسة وتقويم ص ٢٦٤، وكتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (٢/ ٤٣١)، ورسالة منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف ص ٤٠٩.
[ ٢٣ ]
وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى (إرادة الثواب، أو إرادة الإنعام)، و(الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير) (^١).
ومن المخالفات التي وقع فيها بعض هؤلاء بالإضافة إلى ما تقدم:
١ - قولهم بأن في الأسماء اسما غير مشتق.
٢ - قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية.
٣ - مسألة الاسم والمسمى:
وأما بالنسبة لما يتعلق بالمسألة الأولى، فإن بعض الأشاعرة يقسمون الأسماء إلى قسمين:
القسم الأول: أسماء مشتقة.
القسم الثاني: أسماء غير مشتقة.
قال البغدادي: «جملة أسمائه قسمان مشتق وغير مشتق» (^٢).
فيجعلون اسم الله غير مشتق أي لا يدل على معنى، فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة، وهذا مخالف لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متضمنة لمعان وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى.
وأما المسألة الثانية وهي كون أسماء الله توقيفية.
فإن الماتريدية وجمهور الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه
_________________
(١) شرح الأسماء الحسنى للرازي ص ٢٨٧.
(٢) أصول الدين للبغدادي ص ١١٨.
[ ٢٤ ]
المسألة، ولكن القاضي الباقلاني من الأشاعرة لا يشترط أن يكون توقيف من الكتاب والسنة في أسماء الله واشترط أمرين:
١ - أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.
٢ - أن لا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى (^١).
وتوقف الجويني في هذه المسألة (^٢).
وأما المسألة الثالثة وهي مسألة الاسم والمسمى.
فإن قول الأشاعرة والماتريدية فيها واحد، فهم يقولون: «الاسم عين المسمى» (^٣).
وحقيقة هذه العبارة عندهم أن المسمى أي الله غير مخلوق وأما التسميات فهي مخلوقة.
فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، وإن أظهروا أنهم موافقون لأهل السنة في اللفظ بقولهم: «إن أسماء الله غير مخلوقة».
ومرادهم بذلك أن الله غير مخلوق. وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة (^٤).
القول الخامس: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معانيها جميعًا وإثبات ما يتعلق بها من الأحكام والمقتضيات.
وهذا قول أهل السنة والجماعة واعتقادهم يمكن إجماله في النقاط التالية:
_________________
(١) شرح المقاصد للتفتازاني (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، ولوامع الأنوار للسفاريني (١/ ١٢٤).
(٢) الإرشاد ص ١٣٦ - ١٣٧.
(٣) أصول الدين للبغدادي ص ١١٤، ١١٥، وتبصرة الأدلة ص ١٩٨.
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٩٥ - ١٩٦).
[ ٢٥ ]
١ - الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
٢ - الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله ﷿ هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
٣ - الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معان في غاية الكمال فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معناها، كما يزعم المعتزلة.
٤ - احترام معاني تلك الأسماء وحفظ ما لها من حرمة في هذا الجانب وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام.
٥ - الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام.
وبالجملة فإن أهل السنة يؤمنون بأسماء الله إيمانا صحيحًا وفق ما أمرت به نصوص القرآن والسنة ووفق ما كان عليه فهم سلف الأمة، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه، فألحدوا في أسماء الله إلحادًا كليًا أو جزئيًا، كما سبق وأن بيناه خلال عرض الأقوال الأربعة السابقة. وهذا التمهيد ضروري لطالب العلم، حتى يقف على الحقيقة ويعرف الباطل معرفة تفصيلية، وحتى لا يشتبه عليه الحق والباطل. فإن الاشتقاق مثلا في لفظ الجلالة (الله) والخلاف الموجود فيه بين أهل السنة وطوائف أهل الباطل مرجعه إلى ما ذكرت، فهو خلاف عقدي وإن كان أهل الأهواء جعلوا
[ ٢٦ ]
الخلاف اللغوي وهو عدم الاشتقاق سلما ومطية لخدمة معتقدهم في هذا الباب أعني باب الأسماء الحسنى.
ولا يضرك الخلاف الموجود بين علماء أهل السنة في قضية الاشتقاق في لفظ الجلالة وعدمه، فذاك مرجعه إلى اللغة وأن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة لغلبة الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبرًا عند من قال بعدم الاشتقاق فيه من أهل السنة كالشافعي وغيره، لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في بابه إن شاء الله.
[ ٢٧ ]