هذه المقولة مما هجت به طائفة (العصرانيين) وغيرهم من المنابذين للشرع في هذا الزمان (^١)، متخذين منها متكأ وذريعة لتغيير ما لا يوافق أهواءهم وعقولهم القاصرة من أحكام الإسلام؛ لاسيما في مجال العلاقات مع الكفار، ومجال أحكام المرأة
وقد قام كثير من الباحثين بتوضيح الحق في هذا الباب، حائلين بين العصرانيين ومبتغاهم.
قال الدكتور حسين الترتوري: "قد يظن إنسان أن أحكام الإسلام تتغير وتتبدل بتبدل الأزمان والبيئات، ويؤيد ظنه هذا بالقاعدة الفقهية: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) (^٢).
وهذه القاعدة ليست على عمومها وإطلاقها؛ فالأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام الاجتهادية التي لا نص فيها، بل دليلها القياس أو المصلحة. أما القواعد الكلية، والمبادئ العامة، والأحكام الجزئية التي ورد فيها نص فإنها لا تتغير ولا تتبدل؛ كوجوب أداء الأمانات إلى أهلها، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب رد المظالم إلى أهلها، وحرمة السرقة والغش والربا، وحرمة بيع المسلم على بيع أخيه؛ فإن هذا كله لا يدخله التغيير أو التبديل، لكن قد تتغير الوسائل وأساليب التطبيق.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" للقرضاوي، (ص ٢٠٠ - ٢٢٩)، و"السياسة بين الحلال والحرام" التركي الحمد، (ص ٣٧ - ٣٨).
(٢) انظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ١/ ٤٣.
[ ١١٤ ]
فوسيلة حماية الحقوق هي القضاء، وهذا لا يتغير ولا يتبدل، لكن هل يتولى الأمر قاض واحد أو أكثر؟ فهذا مما يمكن أن يندرج تحت القاعدة المذكورة، فيتغير بتغير الأزمان، فيجعل ثلاثة قضاة بدلًا من واحد الفساد ذمم الناس.
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن الإسلام جاء بمبدأ عام في الشورى فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (^١). وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^٢).
فهاتان الآيتان قررتا حكمًا؛ وهو مشروعية الشورى ووجوبها، لكن جاءت بأسلوب مرن بحيث يمكن أن يتغير أسلوب الشورى من عصر إلى عصر؛ فلم يكن في زمن النبي ﷺ أناس متفرغون لهذا الأمر، ويمكن في عصرنا أن يخصص ولي الأمر عددًا من العلماء ويفرغهم للمشورة، وهذا لا يعني تغيير الحكم، وإنما الذي تغير وسيلة التطبيق. وهذا كله انطلاقًا من اختيار الوسيلة التي تحقق المقصد الشرعي للحكم؛ وهو جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها (^٣).
ومن أمثلة الأحكام التي يمكن أن تتغير تبعًا لتغير عرف الناس لاختلاف الأزمان والبيئات (^٤).
١ - تقسيم مهر المرأة إلى معجل ومؤجل في الزواج، ومقدار كل قسم إذا لم ينص عليه في عقد الزواج يحكم فيه العرف. وهذا قد يتغير من زمان
_________________
(١) سورة الشورى، آية (٣٨).
(٢) سورة آل عمران، آية (١٥٩).
(٣) انظر المدخل الفقهي للزرقا ٢/ ٩٢٥.
(٤) المصدر نفسه ١/ ١٣٦، وانظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١/ ٤٣.
[ ١١٥ ]
الآخر ومن مكان لآخر.
٢ - تضمين الوديع الوديعة بالتعدي أو التقصير؛ وهذا الحكم لا يتغير ولا يتبدل، لكن يرجع إلى العرف لتحديد معنى التعدي أو التقصير في الحفظ، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والأماكن.
٣ - إعطاء البائع والمشتري خيار الرد للعيب؛ وهذا حكم ثابت لا يتبدل، أما ما يعد عيبًا وما لا يعد فهذا يتغير بتغير الأزمان والأماكن" (^١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان؛ لأنها تنزيل من حكيم حميد، وإنما الذي يتغير هو اجتهاد المجتهد وفتواه بحسب ما يظهر له من الأدلة. فقد يفتي في وقت بحكم حسبما يظهر له في ذلك الوقت، وحسبما لديه من الاستعداد العلمي، ثم يتبين له في وقت آخر خلاف ما أفتى به سابقًا، أو يتجدد لديه علم أكثر مما كان لديه سابقًا، فيجب عليه حينئذٍ أن يفتي بحسب ما ظهر له لاحقًا، ولا يبقى على اجتهاد تبين له خطؤه وقصوره. وليس معني تغير الفتوى ما يفهمه بعض الجهال أو المغرضين أن ذلك من أجل مجاراة العصور، أو أهواء الناس ورغباتهم؛ فإن ذلك من أعظم الضلال؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) " (^٣)
وقال الشيخ بكر أبو زيد: "دعوى تغير الفتوى بتغير الزمان … هذه
_________________
(١) مجلة البحوث الإسلامية (٢٧/ ١٢٧ - ١٢٩).
(٢) سورة القصص، الآية (٥٠).
(٣) الاجتهاد، (ص ٢٧).
[ ١١٦ ]
قاعدة صورية لا حقيقية؛ إذ أن جميع من يذكرها من الفقهاء الماتنين والشارحين يقيدونها بخصوص تغير الأعراف … والعصرانيون دخلوا من هذا التقعيد الصوري إلى أوسع الأبواب؛ فأخضعوا النصوص ذات الدلالة القطعية؛ كآيات الحدود في السرقة والزنا ونحوهما بإيقاف إقامة الحدود لتغير الزمان! وهكذا، مما نهايته انسلاخ من الشرع تحت سرادق موهوم" (^١).