جاء في تعقيب الدكتور الشاعر عبد الرَّحمن العشماوي على مجلة المجتمع الكويتية: "إسلامنا ليس ماردًا" قرأت في العدد ١٣٦٩ الصادر في ١٨ جمادى الآخرة ١٤٢٠ هـ خاطرة في صفحة "رأي القارئ" كان عنوانها: "رغم كل الجراحات ما زال المارد حيًا".
أولًا: أشكر الكاتب الكريم على صدق لهجته وحماسته للإسلام؛ حيث أشار في خاطرته إلى بقاء الإسلام شامخًا بالرغم من مكائد أعدائه الَّتي لا تنتهي، ومكرهم الساري سريان اللَّيْلِ والنهار ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (^١).
ثانيًا: أنبه كاتب الخاطرة وغيره ممن يسيِّرون أقلامهم لنصرة الحق إلى أن يفطنوا إلى جانب الدلالة اللغوية فيما يختارون من الكلمات، بل إني أهيب بجميع من يكتبون أن يتعلموا الأسلوب العربي السليم، وأن يزيدوا من "ثروتهم اللغوية الفصيحة" و"قاموسهم العربي الصحيح"؛ وذلك بقراءة أمهات الكتب الرصينة قديمًا وحديثًا، والتركيز قبل ذلك وبعده على قراءة القرآن الكريم، والاستماع إلى تلاوات القراء، وقراءة الحديث النَّبويّ الشريف، وقراءة الشعر العربي الأصيل والاستماع إليه -ما أمكن- فإن في ذلك كله ما يقوي الملكة اللغوية، وينمي السليقة العربية الفصيحة.
إن إتقان لغتنا العربية الفصحى يرقى بالفكر والذوق السليم ويقوِّم اللسان والقلم، وليس بخاف على الجميع أهمية إتقان لغة القرآن للفقيه
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (٣٣).
[ ١٤١ ]
والمحدث والمفسر والقاضي وغيرهم؛ لأن اللغة أداة التوصيل، ولن تصل فكرتك إلى غيرك بلغة مهزوزة.
أمَّا كلمة "مارد" فهي من مادة "مَرَدَ"، وقواميس لغتنا تقول: مَرَدَ الإنسان مُرودًا: طغى وجاوز الحدّ، ومنه مَردَ على الشرِّ أو النفاق كما في قوله تعالى:
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ (^١) أي جاوزوا الحدّ فيه، وتعودوا عليه حتَّى أصبح سمةً لهم.
وتضيف قواميس اللغة إلى ذلك أن معنى كلمة "المارد": الطاغية الَّذي تجاوز حدَّه، وفي القرآن الكريم: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ (^٢) وتستخدم كلمة "مريد" بالمعنى نفسه كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (^٣)، وفي قوله: ﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ (^٤)، ومعنى مَرِيد هنا الخبيث المتمرد الشرير.
وبالرغم من أن من معاني كلمة المارد: "العملاق" والمرتفع؛ حيث يقال: "بناء مارد"، إلَّا أن الاستخدام السائد عند العرب لكلمة مارد ومريد إنَّما هو في الجانب الأقوى لدلالة الكلمة عندهم؛ ألا وهو جانب الشر والطغيان والجبروت وتجاوز الحدّ، وهو الاستخدام اللغوي الوارد في القرآن الكريم دون سواه.
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (١٠١).
(٢) سورة الصافات، الآية (٧).
(٣) سورة الحج، الآية (٣).
(٤) سورة النِّساء، الآية (١١٧).
[ ١٤٢ ]
إسلامنا ليس "ماردًا" ولكنه صرح شامخ ترتد أمامه كل مكائد الأعداء مهزومة خاسرة، ولنا من قرآننا وسنة رسولنا ﵊ وعد صادق بذلك" (^١).
وقال القارئ محمد غالب عفيف تعقيبًا على ما سبق أيضًا: "تعليقًا على عنوان في صفحة (رأي القارئ) ألا وهو: (رغم كل الجراحات ما زال المارد حيًا) العدد ١٣٦٩، كثيرًا ما تستخدم كلمة (مارد) في سياق المدح، وخصوصًا تعبير (المارد الإِسلامي) للإشادة بالصحوة الإِسلامية المباركة؛ فيقال: لقد خرج المارد الإِسلامي من قمقمه.
فأنقل إليكم مقالًا لزين العابدين الركابي، يعلق فيه على هذه الكلمة يقول: المارد هو الكائن العاتي (المبرمج) على الشر أبدًا، فلا يصح أن يوصف بأنَّه إسلامي، هل يوصف الشيطان بأنَّه إسلامي؟ ففي كتاب الله ربط دائم بين المارد والشيطان، فمن أمثلة ذلك: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ (^٢) وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (^٣) وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ (^٤) وفي السنة كذلك، ففي
_________________
(١) مجلة المجتمع (العدد ١٣٧٣).
(٢) سورة النِّساء، الآية (١١٧، ١١٨).
(٣) سورة الحجّ، الآية (٣، ٤).
(٤) سورة الصافات، الآية (٦، ٧).
[ ١٤٣ ]
حديث رمضان .. (وتصفد مردة الشياطين)، والمردة جمع مارد" (^١).