هذه المقولة أطلقها المستشرقون نكاية بالإسلام وأهله، زاعمين بأن الإسلام دين لا يقوم على الحجة والبرهان، إنما على السيف والسنان، وإكراه الناس على الدخول فيه.
وقابل غلو هؤلاء المستشرقين طائفة من كتاب المسلمين أرادت أن تدفع عن الإسلام هذه الفرية التي ألصقها به أعداؤه، لكنها غلت في الجانب الآخر، وطمست بعض أحكام الإسلام، وتحايلت على بعضها الآخر لتلائم هذا الدفاع، فقصروا جهاد المسلمين لأعدائهم على جهاد الدفع لا جهاد
_________________
(١) مسلم برقم ٦٧١، والبيهقي ٣/ ٦٥، وأبو عوانة في مسنده ١/ ٣٩٠، والإمام أحمد ٤/ ١٨١، والحاكم ٢/ ٨.
(٢) مجلة البحوث الإسلامية (٥٦/ ٧٩ - ٨١).
[ ١٠٤ ]
الطلب (^١)، وتبنوا الأقوال الضعيفة التي تتوافق مع أقوالهم (بل أهوائهم)؛ كأخذ الجزية من المشركين وعدم قتلهم، خشية أن يزعم زاعم أن الإسلام انتشر بالسيف (^٢)!!
وتوسط أهل العلم من المحققين، فلم ينساقوا خلف هذه المقولة الجائرة، بل أنكروها، ولكنهم لم يقابلوها (بتمييع) أحكام الإسلام إرضاء للآخرين.
فقد سئل الشيخ ابن باز -﵀-: "ما رأيكم في قول من قال: إن الإسلام انتشر بالسيف ونريد أن نرد عليهم ردًا منطقيًا؟
فأجاب: هذا القول على إطلاقه باطل؛ فالإسلام انتشر بالدعوة إلى الله ﷾ وأيد بالسيف، فالنبي -ﷺ- بلغه بالدعوة في مكة ثلاثة عشر عامًا ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى جاهدوه؛ لأن السيف منفذ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا
_________________
(١) انظر: كلمة للدكتور عبد الصبور شاهين، نشرتها جريدة السياسة الكويتية (٩/ ١٧ / ١٤٢١ هـ) تحت عنوان (أباطيل وافتراءات ضد الإسلام: الإسلام انتشر بالسيف). وكتاب: "سماحة الإسلام" للدكتور عمر قريشي، تقديم الشيخ عائض القرني! (ص ١٧٥ - ١٨٨) وأكثره نقولات عن محمد الغزالي، وانظر أيضًا: دعوة التقريب بين الأديان" للدكتور أحمد القاضي (ص ١٥٤ وما بعدها)، و"المستشرقون والإسلام، محمد قطب، (ص ٧٥ وما بعدها). وقد ألف الدكتور النصراني نبيل لوقا كتابًا بعنوان "انتشار الإسلام بين الحقيقية والافتراء"، يدافع فيه عن الإسلام. فتأمل!
(٢) انظر: مقال (الإسلام انتشر بالسلم لا بالسيف) للدكتور محمود الطنطاوي في مجلة البعث الإسلامي (رمضان وشوال ١٤٠٢ هـ).
(٣) سورة الحديد، الآية (٢٥).
[ ١٠٥ ]
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (^١) فمن أبي قاتلوه لمصلحته ونجاته، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب، ولا يعتبر مظلومًا، فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق الله بأداء حقه؟ فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به؟ ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة" (^٢).
وقال أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: "حكي أبو الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى سنة ٢٨١ هـ في كتابه: (الإعلام بمناقب الإسلام) شبهة انتشار الإسلام بالسيف ورد عليها، وحكاها ابن تيمية في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ورد عليها، وقال أبو العلاء المعري:
وهل أبيحت نساء الروم عن عرض … للعرب إلا بأحكام النبوات
وبهذا تعرف أن هذه الفكرة أسبق من حملة الاستشراق، ولكنها كانت مسيحية المنبت، ولقد بدت ظاهرة الانهزام في نفوس المفسرين في ظلال النهضة الحديثة، ولهذا قال (فييت) المدير السابق لدار الآثار العربية: "إن فكرة محمد عبده في قصر الحروب الإسلامية على الدفاع فكرة عصرية تمثل تطورًا في وجهة نظر المسلمين" (^٣).
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٣٩).
(٢) مجلة البحوث الإسلامية (٥٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، ومجموع فتاواه (١٨/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٣) الفكر الإسلامي والتطور محمد فتحي عثمان، (ص ٢٥٠).
[ ١٠٦ ]
ولقد انثالت المباحث الإسلامية من لدن محمد عبده تقرر أن حروب الرسول كانت دفاعية، واستكرهوا واقع التاريخ وقواطع الظواهر من النصوص التقرير هذا الظن، وانتبه عالمان فاضلان لهما الإمامة بين شارحي وجهة النظر الإسلامية اليوم وهما: سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، فقررا خطأ هذا الظن، بيد أني رأيت استدلالًا للفريقين في غير محل النزاع، فمن يقول إن الإسلام لم ينتشر بالسيف غير ممايز بين المسائل الداخلة في محل النزاع، فهو مخطئ لأنه عمم الحكم السالب على مجمل تختلف أفراده، ومن قال: بل انتشر بالسيف غير ممايز بين تلك المسائل فهو مخطيء أيضًا لأنه عمم الحكم الموجب على مختلف الأفراد، وهذه الأفراد المتعددة ثلاث مسائل متغايرات: فمسألة (سيطرة الإسلام على الحكم بالسيف) هي غير مسألة (إرغام الناس على الإيمان بالسيف)، وهاتان المسألتان غير مسألة (بواعث سيطرة الإسلام على الحكم).
وإليك التفصيل: فأما مسألة سيطرة الإسلام على الحكم بالسيف فأقول: ظل رسول الله -ﷺ- ينافح بالحجة عن حقيقة الألوهية حتى لم يوجد من يدفع ببرهان، وحقيقة الألوهية تعني أن الله وحده المدبر لهذا الكون المتصرف فيه بره وأرضه وسمائه ونجومه وكواكبه وما ذرأ فيه وما برأ، فمن باب أولى من ناحية العدالة أن خالق هذا الوجود ومدبره كونًا هو الأحق بتدبيره حكمًا بالتشريع والتنظيم.
ومن باب أولى -من ناحية البرهان- أن خالق هذا الوجود ومدبره كونًا هو الأحق بتدبيره أيضًا حكمًا بالتشريع والتنظيم؛ لأن خالق الكون أعلم بما يصله.
[ ١٠٧ ]
ومن ناحية أخرى فثمت فارق -ولله المثل الأعلى- بين الكامل اللا متناهي في علمه وقدرته وإحاطته، وبين مخلوق محدود العمر ومحدود المكان في وسطه من هذه القشرة الأرضية، مهما امتدت آفاقه في المعرفة فيعتريه السهو والنقص وحب الذات ونوازع الهوى، فأيهما أولى بالتشريع: خالق الكون المحيط به أم من لا يخلق ذبابة، ولا يدرأ عنه نفسه الموت، ولا مخلص له من حتميات القدر؟ فإذ قد بدت هذه الحقيقة، وبدت حقيقة أخرى لا ينكرها التاريخ؛ وهي أنه لم يعاصر الإسلام نظام يؤسف عليه، وإذ قد كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس قيادة وريادة: فلا بد لكل مسلم من أي جنس ومن أي بقعة أن تكون له القوامة على هذا الدين؛ والله قادر على نصر دينه، ولو شاء لانتصر منهم ولكنه سبحانه أراد أن يبلونا، إذا تقرر هذا كله: فالحاكمية حق الله، والمسلمون حملتها وسيوفها، ففرض ولا بد أن ينتزعوها من الجاهلية بظبا سيوفهم وبآخر قطرة من دمائهم.
فما الذي يحملنا على طمس هذه الحقيقة كما طمست اليهود آية الرجم من توراتها؟ أفهان علينا ديننا الحق إشفاقًا من المغالطات؟ أم لأن واقعنا السياسي -معشر المسلمين في كل أرض- لا يسمح بكلمة حق؟ وأيضًا فالحقيقة هي الحقيقة لا يطمسها واقع الناس مهما كانت مرارتها: وليس بصحيح على الإطلاق أن الرسول -ﷺ- فتح مكة، وقاتل الروم، وفتح أبو بكر وعمر -﵄- بلاد الروم والفرس دفاعًا.
إن هذا تحوير للتاريخ، واستخفاف بعقول الناس. إن محمدا -ﷺ- نبي رسول أوحى الله إليه الشرع وأمر بتبليغه، والتبليغ لا يكون إلا بحماية حرية
[ ١٠٨ ]
الدعوة، وهذا جانب من جوانب الجهاد.
والسيطرة على الحكم وسيلة من وسائل الحماية والرعاية لحرية الدعوة حتى لا يحول دونها الحكم الجاهلي، وثمرة للتبليغ ليرى قسطاس الله المستقيم قائمًا في أرض الله، ومع الأمر بالتبليغ فلا بد من التطبيق العملي، وليس بصحيح قط أن الإسلام يبيح السكوت على باطل أو على حكم جاهلي في الأرض، إلا إذا كان المسلمون كلفوا من الأمر ما يطيقون، أو كان الدين خامد الجذوة في نفوسهم فهان عليهم وهانوا على الله. وما شرع القتال وهو كره، ولا حرم الفرار من الزحف أشد تحريم إلا لنكون أمة تعلو ولا يعلى عليها، ولو كان صحيحًا أن الجهاد لمجرد تبليغ الدعوة فقط لكان المسلمون يقبلون الجزية ويقيمون في كل بلد فتحوها دعاة ومبشرين ويتركون حكمها لأهلها، ولكن الواقع خلاف ذلك، بل كانت الجزية الدينونة الكاملة لحكم المسلمين.
الحقيقة الناصعة الواضحة كل الوضوح أن أمة الإسلام لا تقر أي حكم جاهلي وهي تقدر على اجتثاثه، والجهاد لإحقاق الحق رتب حسب الطاقة: أعلاها جهاد باليد، فأي عيب يزوي وجوهنا عن مواجهة المستشرقين بالحق من ديننا؟
الشبهة: إن المسلمين حكموا البلاد وفتوحها بالسيف.
ونحن نقول: متى كان الحمل على الحق مثلبة؟ ومتى كان الناس كلهم على مستوى فهم الحق وقبوله مبرئين من الهوى إن لم يكن للحق سيف يحميه؟
[ ١٠٩ ]
إنما يعاب الإسلام في إيجابيته لو كان دعوة لجنس، أو لو كان لا يحمل كل مبادئ الخير من عدل ومساواة ونظام ووازع.
المنطق الصائب أن يقدر الناس أن هذا المبدأ حق، ثم يتدبروا مدى الأضرار الناجمة عن عدم تطبيقه، وعلى قدر الضرر يكون مقدار الإيجاب في الحمل على الحق.
ونحمد الله أن التاريخ يحفظ لنا من سيرة الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وصدر الإسلام ما يتوج رؤوسنا من عدل ومساواة وحياة جادة.
وبعدُ، فلا عيب على نصوص ديننا إلا أنها تأمر باجتثاث الحكم الجاهلي وبالقوامة على الحق، وهي مفخرة نحسها بعين الفطرة إذا ما أطل عليها الآخرون -علوًا واستكبارًا- بالمنظار الأسود.
ومن يحاجنا نقول له: أيهما أحق: عدالة الإسلام أم كهانة شق وسطيح، أم جيروت كسري وقيصر؟ ونقول: السيف ضرورة حتمية لعمارة الأرض: وميزان الحق والباطل في الدعوة التي شهرته" (^١).