" إن هذا الوصف من اختراع المناوئين للدعوة إلى الله والدعاة إلى سبيله سبحانه. ومن المسلمات أن هذا العصر قد كثر فيه خصوم الإسلام والدعوة إليه؛ ليس في بلاد الكفر، بل وفي بلاد الإسلام، ومنهم من وُلدوا لأبوين مسلمين ولكنهم ضلوا الطريق نسأل الله لهم الهداية. أقول لقد أطلق هذا الوصف على الدعاة إلى الله وذلك لتحقيق غايات منها:
١ - اعتبار الإسلام والدعوة إليه فكرة من الأفكار وحزبًا من الأحزاب وعقيدة من العقائد الموجودة في الساحة، أو في أي بلد من بلاد المسلمين؛ فالدعاة إلى الله بهذا يعدون فئة مثلها مثل الفئات الأخرى الَّتي تدعو إلى العقائد والملل والأفكار الأخرى؛ كالقومية والوطنية والشيوعية والليبرالية والوجودية والديمقراطية والعلمانية، فلكل عقيدة وفكرة من هاته الأفكار والعقائد تيار يمثلها ويدافع عنها ويدعو إليها،
_________________
(١) "العالم العابد: الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم"، إعداد: ابنه الشيخ عبد الملك بن محمد القاسم، (ص ٣٢٣).
(٢) السابق، (ص ٣٢٨)، (ص ٣٣٥).
[ ٦٦ ]
وهنا مكمن الخطورة؛ لأنَّ الأمر أمر دعوة إلى التساوي بين من يدعو إلى الله وإلى دين الله الَّذي هو الإسلام وبين من يدعو إلى الإلحاد أو الشهوانية العلمانية الليبرالية أو الطاغوتية الديموقراطية.
٢ - ترسيخ فكرة أن الدعاة إلى الله باعتبارهم تيارًا إنَّما يريدون السلطة والحكم، وأنَّه لا يعنيهم الإسلام في شيء، بل هم تيار اجتمع من أجل غرض الحكم بأعيانهم وأسمائهم، وأنهم ما ساروا في طريق الدعوة إلى تطبيق شرع الله وحكمه إلَّا من أجل السلطة فقط، وهم في هذا متماثلون مع من يدعو إلى المذاهب والعقائد الأخرى، ولا شكَّ أن هذا التشويه للدعوة إلى الله ليس جديدًا، بل لقد وصف النَّبِيّ ﷺ بأوصاف مثل هذه الأوصاف، وذهب المشركون إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن كان محمد يريد جمالًا زوجناه أجمل النِّساء، وإن كان يريد مالًا أعطيناه حتَّى يكون أغنانا، وإن كان يريد حكمًا واستعلاء ملكناه، وقالوا: هو ساحر أو مجنون، وقالوا: كاذب، وهم يعلمون أنَّهم هم الكاذبون، كما أنَّ أعداء وخصوم الدعوة إلى الله يعلمون أنَّهم كاذبون في ادعاءاتهم وتخرصاتهم على الدعاة إلى الله في هذا العصر.
٣ - تدعيم الفكرة الَّتي يحاول خصومُ الإسلام وخصوم شريعته أن يكرسوها في عقول النَّاس؛ وهي -وبناء على ما تقدَّم- أن الدعاة إلى الله لا يمثلون الأمة، بل هم يمثلون أنفسهم، وما هم إلَّا تبار من التيارات لا يمثلون إلَّا أعيانهم وأسماءهم، وأنهم بهذا لا يمثلون المسلمين، وأن بقيَّة المواطنين -وفي بعض الأقطار جميعهم مسلمون أي ١٠٠ %- ليسوا معنيين بالدعاة،
[ ٦٧ ]
بينما الحق في هذا أن الدعاة هم في الواقع الأمة بأسرها؛ لأنَّهم الذين يعملون من أجل دين الله، الَّذي هو دين كل مسلم، وقد أمر الله تعالى بموالاة المؤمنين والبراءة من غيرهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^١). وهذه الآية دليل كاف على أن هذه الأمة أمة دعوة، وأن المؤمنين جميعًا يد واحدة وجسد واحد، وأن الدعاة إلى الله -بالمعنى الخاص- هم في القلب من هذه الأمة الواحدة، ولذا فالدعاة إلى الله الذين فرغوا أنفسهم لهذا الأمر يمثلون الأمة كلها، والمسلمون جميعًا هم دعاة إلى الله، وتأمل في الآية الكريمة السابقة، حيث الولاية والتولي للمؤمنين جميعًا، وهذه هي الأمة، وحيث الدعوة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحيث إقامة الصَّلاة والزكاة وطاعة الله، وهذه صفات المؤمنين جميعًا، وفي هذا رد وتكذيب لمن تخرص وسمى الدعاة تيارًا من التيارات الموجودة في البلد، بل هو الأمة جمعاء وهم البلد جميعًا. ولنسأل الواقع كما قد آمنا بما جاء في النُّصوص الشرعية، فسيؤكد الواقع لنا هذه الحقيقة، فالحمد لله وله المنة والفضل.
وأمَّا التيارات الهدامة؛ كالأحزاب العلمانية، والتجمعات الفكرية الضالة فهي الدخيلة على الأمة وهي السموم الَّتي دخلت إلى بلاد الإسلام، ولكن
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٧١).
[ ٦٨ ]
الجسد الإِسلامي جدير بطردها، كما طرد سلفها من قبل.
إن من الخطورة أن يتقبل كثير من الدعاة هذا اللَّفظِ أو وصف: (تيار إسلامي)، ومطابقة: (الإِسلاميون)، بل هو الإسلام وهم المسلمون، ولسنا تيارًا من التيارات، ويجب أن نبين هذا وأن نحذره وأن نحذِّر منه، واللهُ غالب على أمره.
ومثل وصف (التيار الإِسلامي) في الخطورة ومجافاة الحق: وصف: (التيارات الإِسلامية)، وهو وصف يحاول من خلاله أعداء الإسلام تصوير الإسلام على أنَّه إسلامات وليس إسلامًا واحدًا؛ وذلك لهدف تفريق كلمة الأمة والتشكيك في صحة الإسلام والتشكيك في مصدريه الربانيين: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد استغل هؤلاء كثيرًا من أخطاء بعض المنتسبين إلى سبيل الدعوة إلى الله -إن حقًا وإن باطلًا-، فمن كان من الدعاة سائرًا في دعوته على هدي الكتاب والسنة فهو المهدي، وقد تقع منه أخطاء لأنَّه لا عصمة لبشر، وهنا يستغل أعداء الدعوة وخصوم الإسلام هذه الأخطاء، بل لقد استغلوا الاختلاف في مسائل الأحكام بين العلماء، وهذا أمر معلوم في الفقه الإِسلامي؛ فالاختلاف في كثير من الأحكام قائم وليس -كما زعم الكاذبون والمغرضون- دليلًا على أن هناك أكثر من إسلام، فالحوادث مستمرة والمتغيرات والمستجدات في حياة النَّاس دائمة ولا بد لها من حكم شرعي يضبطها، وهكذا احتاجت الأمة إلى الاجتهاد منذ عصر الصَّحابة، والعقول والأفهام متفاوتة، وبناء عليه تتفاوت نتائج
[ ٦٩ ]
الاجتهاد وتتفاوت الأحكام الاجتهادية، وقد ثبت أن النَّبِيّ -ﷺ- لم ينكر اجتهاد من صلَّى العصر في الطريق إلى بني قُرَيْظَة من الصَّحابة ﵃ في وقتها، ومن صلاها في بني قُرَيْظَة بعد وصولهم وبعد فوات وقتها، حين أمر أَلَّا يصلينّ أحد العصر إلَّا في بني قُرَيْظَة، فالاختلاف موجود وهذه سُنَّةٌ من سنن الله تعالى، غير أن هناك فرقًا بين اختلاف في استنباط حكم مع إيمان ثابت بالإسلام كاملًا كما أراده الله وبلغه نبيه -ﷺ- وبلغنا إياه صحابته ﵃، وبين اختلاف ينسف أصول الإسلام وأسسه، وقد استغل أعداء الدعوة هذا الأمر ووسعوه حتَّى جعلوا الاختلاف في أساس العقيدة وفي أركان الإسلام وأركان الإِيمان من الاختلاف السائغ! ولبَّسوا على النَّاس، ولكن الله سينقض ما دبروا؛ قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^١). وأمَّا من انتسب إلى الدعوة إلى الله وهو من أهل الباطل فمعلوم، ولسنا هنا في حاجة إلى التفصيل؛ فالباطنية والفرق الهدامة الَّتي تنتسب للإسلام كذبًا وزورًا لأنها قد خالفت كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- وما كان عليه الصَّحابة ﵃ وجماعة المسلمين، فهذه فرق ضالة، ولكن أعداء الدعوة إلى الله يعتبرونها تيارات إسلامية، ومن ثمَّ يحاولون أن يقنعوا النَّاس أن هنالك (إسلامات) أو أنواع متعددة من الإسلام، وليس إسلامًا واحدًا.
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية (٤١).
[ ٧٠ ]
إنَّه من الضروري أن يتداعى الدعاة والعلماء وأهل النظر من المسلمين إلى الحذر والتحذير من الأوصاف والألفاظ الَّتي تُلقي في ساحة الرأي والتداول، وخاصة فيما يتعلق بالأوصاف المتعلقة بالدعوة والدعاة وبالأمة المسلمة الواحدة، وأن يحذروا ممَّا يدسّه خصومُ وأعداء الدعوة في ثنايا الخطاب الدعوي، وأن يبينوا الحق في ذلك؛ وذلك لأنَّ اللَّفظِ إذا سُكِتَ عنه ذاع وانتشر على عِلَّاته، وهو بانتشاره كما يريد خصوم الدعوة المناوئون لها يسيء كثيرًا إلى الدعوة إلى الله، ويفتك بكثير من حصون الدعوة ويقلص كثيرًا من مكاسبها، واللهُ المستعان" (^١).