قال الشيخ عبد الله البسام -﵀- في رده على (سمير شما): "وقد جاء في كلام فضيلة شيخ الجامع الأزهر جملتان يحسن الوقوف عندهما ومناقشتهما: الأولى قوله: (العادة محكَّمة في كل ما ليس فيه نص شرعي) فإن أراد بهذا أن العادة أصل من أصول التشريع التي تستمد منها الأحكام فهو غير صحيح؛ لأن الأصول انتهت بانتهاء عهد النبوة، والنبي ﷺ حين بعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا وأقره على أصول التشريع: الكتاب والسنة والاجتهاد -الذي هو قياس الأشياء بالنظائر- لم يرجعه إلى عاداتهم (^١)، وعمر بن الخطاب حين كتب إلى أبي موسى كتابه المشهور في القضاء قال له فيه: (ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك وليس في كتاب ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك فقد أمره إذا أعوزه الحكم في الكتاب والسنة أن يقيس ما لم يرد فيه النص على ما ورد فيه، ولم يرجعه إلى العادات والتقاليد، فليس العرف والعادة مصدر تشريع وتحكيم وإلا لاستغنى الناس بعاداتهم عن الشرائع، ولصار مصدر الأحكام ما هم عليه من التقاليد. إن كان هذا مراد فضيلة الشيخ بتلك الجملة فسيعول الناس في أحكامهم على عاداتهم، وسيقولون: إن هذه النصوص كانت لزمن مضى وأحوال تقدمت، ونحن في زمن وحال غيرهما فلا تصلح تشريعًا لنا، وإنما يجب أن نستمد أحكامنا وأنظمتنا من بيئتنا ومجتمعنا الذي نعيش فيه، ونسي المطالبون أن الذي أنزل هذه الشريعة عالم بما سيحدث وما يتجدد، فأودع في
_________________
(١) انظر الكلام على حديث معاذ في (السلسلة الضعيفة) للألباني (٨٨١).
[ ١٦٠ ]
شرعه ما يسد حاجة كل جديد وقديم.
وإن أراد فضيلة الشيخ بكلامه أن العادة المطردة والعرف القائم بين الناس دليل ثبوت الحكم الشرعي؛ كأكل الضيف والمدعو من الطعام المقدم لهما ولو بلا إذن صريح من صاحب المنزل، وإعطاء القصار أو الخياط ثوبه الغسله أو خياطته بأجرة العادة، فهذا وأمثاله تعتبر فيه العادة مبينة لقدر الحق الشرعي. ومثله. الرجوع إلى أهل المعرفة في بيان الغبن في البيع أو العيب في المبيع اللذين أثبت فيهما الشارع الخيار للمشتري، وكذلك بيان نفقة الزوجة والقريب التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، و(الحرز) الذي شرطة الشارع لقطع يد السارق يرجع في بيانه إلى العرف الذي يحدده حسب الأموال والحكام والبلدان، وكذلك بيان ما يدخل في مسمى الدار عند إطلاق بيعها، وما لا يدخل يرجع فيه إلى العادة الجارية عند الناس، وكذلك بيان ما على المؤجر والمستأجر عند استئجار الدار والدابة، وما على المساقي وصاحب الشجر في المساقاة.
كل هذه المسائل وكثير من أمثالها للعرف فيها فضل البيان والتفسير للنصوص.
فإن كان هذا هو مراد الشيخ فهو صحيح؛ لأنه مطابق للحق والواقع، ولذا فإنه يتعين على الحاكم أن يكون عارفًا لعادات بلاد حكمه وعرفها ولغتها واصطلاحها؛ لأن ذلك ينير الطريق أمامه ويبصره مراد النص، فإن فهم كثير من النصوص لا يكفي الحاكم في حكمه ما لم يعرف ما عليه الناس من عادات واصطلاحات ليحسن التطبيق والملاءمة بين النصوص
[ ١٦١ ]
والواقع، وإلا لاضطرب أمره وفاته شيء كثير من الملابسات التي تعينه على تحري الصواب، فهذا مراد مستقيم لتحكيم العادة وإجراء الشروط العرفية كالشروط اللفظية قد جرى في الشرع اعتباره.
ونظن أن هذا هو مراد فضيلة شيخ الجامع الأزهر، وأنه قد وضحه في كتابه أكمل توضيح وأتمه، وإنما نقل لنا الأستاذ (سمير) هذه الجملة المحتملة فلزم مناقشتها لئلا يظن غير المراد الصحيح منها" (^١).