درج الغربيون المؤرخون على استعمال لفظ (القرون الوسطى) على الفترة التاريخية الَّتي قبل عصر النهضة في أوروبا والثورة الفرنسية، وتسمية ما بعد ذلك بالقرون الحديثة. والواقع أن ما أسموه بالقرون الوسطى كانت قرون الأزدهار في تاريخ الإسلام. وقد يكون هذا السبب الدافع لهم لتسميتها هكذا؛ حقدًا على المسلمين. ولذا فلا داعي لاستعمال هذا اللَّفظ" (^٢).
قال الأستاذ أنور الجندي -﵀-:
ما تزال كلمة العصور الوسطى في إطلاقها تعني الفترة ما بين القرن الخامس الميلادي والقرن الخامس عشر الميلادي أيضًا، وهي الفترة الَّتي
_________________
(١) مجلة الجسور، (العدد السابع).
(٢) "محمد رشيد رضا - طود وإصلاح، دعوة وداعية" للأستاذ خَالد فوزي، (ص ٣١١) بتصرف يسير.
[ ٧١ ]
سقطت فيها الحضارة الرومانية خلال عشرة قرون كاملة إلى أن بدأت حركة النهضة الأوربية، وتحاول كتب الغرب أن تصف هذه الفترة بالعصور المظلمية، وهذا المفهوم صحيح وصادق بالنسبة لأوربا، ولكنه كاذب ومضلل بالنسبة للعالم كله وللفكر البشري عامّة. ذلك أنَّه خلال هذه الفترة ظهر الإسلام في القرن السادس الميلادي وأشرقت شمسه فعمت العالم كله وامتدت من حدود الصين شرقًا إلى حدود فرنسا، وقدمت للإنسانية مجدًا أقيم على التوحيد والعدل والإخاء كمقومات الحضارة إنسانية كانت بعيدة المدى والأثر في الحضارة البشرية وفي النهضة الَّتي بزغت في أوربا بعد ذلك.
لذلك فإنَّ إطلاق القول بأن فترة العصور الوسطى كانت فترة ظلام دامس هو قول باطل، وهي محاولة لتجاهل العصر الإِسلامي الزاهر، وذلك وفق اتجاه الفكر الغربي الَّذي يحاول أن يربط بين الحضارة الرومانية المنهارة وبين الحضارة الأوربية الجديدة؛ كأنما ليس في العالم إلَّا أوربا وحدها.
ولذلك فإنَّ إطلاق كلمة العصور الوسطى على العالم كله إنَّما هو إطلاق ظالم؛ فالعصور الوسطى المظلمة إنَّما كانت كذلك بالنسبة للغرب وحده، ولكنها كانت مضيئة مشرقة بالنسبة للعالم الإِسلامي (الهند وفارس والأمة العربية والأندلس).
وتعبير العصور الوسطى تعبير غربي ينطبق على أوربا وحدها؛ فقد سقطت هذه القارة في الظلمات فترة ما بين سقوط الحضارة الرومانية وعصر النهضة)، أمَّا في العالم الإِسلامي فإنَّ هذه الفترة بالذات كانت الفترة الذهبية بالنسبة للإسلام وحضارته.
[ ٧٢ ]
فإذا أراد دعاة التَّغريب إذاعة هذا المفهوم فإنَّما يراد به إنكار فضل الحضارة الإِسلامية على العالم" (^١).