سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "سمعت بعض الكلمات التي يرددها بعض الناس، فأريد أن أعرف ما هو موقف الإسلام من هذه الكلمات، على سبيل المثال: عندما يتوفى شخص معين يقول بعض الناس: (المرحوم فلان) وإذا كان ذا منصب كبير قالوا: (المغفور له فلان) فهل هم اطلعوا على اللوح المحفوظ وعرفوا أن فلانًا مغفور له وفلانًا مرحوم؟ لذا كان من الواجب عليَّ التساؤل حول هذه النقطة، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (^٣) أفتوني.
فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
_________________
(١) أحمد ٤/ ٢٤ و٢٥، وأبو داود برقم ٤٨٠٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم ٣٨٧، والبخاري في الأدب برقم ٢١١، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢٢، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم ٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٧.
(٢) مجلة البحوث الإسلامية (٣٣/ ٦٦).
(٣) سورة آل عمران، الآية (١٨٧).
[ ١٢٣ ]
ثبوت مغفرة الله لشخص أو رحمته سبحانه إياه بعد موته من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ثم من أعلمه الله بذلك من ملائكته ورسله وأنبيائه، فإخبار شخص غير هؤلاء عن ميت بأن الله قد غفر له أو رحمه لا يجوز إلا من ورد فيه نص عن المعصوم -ﷺ-، وبدون ذلك يكون رجمًا بالغيب، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١)، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (^٢) ولكن يرجى للمسلم المغفرة والرحمة ودخول الجنة فضلًا من الله ورحمية، ويدعى له بالمغفرة والرحمة بدلًا من الإخبار عنه بأنه مرحوم مغفور له؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣). وفي صحيح البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت "أن أم العلا -امرأة من الأنصار قد بايعت النبي ﷺ- أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في بيوتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله -ﷺ- فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله -ﷺ-: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ " فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" قالت: فوالله لا
_________________
(١) سورة النمل، الآية (٦٥).
(٢) سورة الجن، الآيتان (٢٦ - ٢٧).
(٣) سورة النساء، آية (٤٨).
[ ١٢٤ ]
أزكي أحدًا بعده أبدًا،. وقوله -ﷺ-: "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" هذا كان قبل أن ينزل الله قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ (^١) الآية، وقبل أن يعلمه سبحانه أنه من أهل الجنة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (^٢).