قال الدكتور عبد الله بن الصديق في مقاله: (أغلاط شائعة): "من تلك العبارات قولهم: المزية لا تقتضي التفضيل، وهي أقبحها وأشد ضررًا، وأظن الشيطان ألقاها على ألسنتهم ليضلهم بها.
فبسبب هذه العبارة الخبيثة اعتقدوا أن في الأولياء من هو أعلم من بعض الأنبياء، كما اعتقدوا أن بعض الأذكار أو الصلوات على النبي -ﷺ- يوازي القرآن، بل يزيد عليه مرات.
مع أن تلك العبارة التي بني عليها هذا الضلال وأمثاله كاذبة ومختلة؛ أما كذبها: فلأن المزية تقتضي التفضيل حتمًا؛ وذلك لوجهين:
١ - أن معناها هي: الخصلة التي توجد في شيء دون غيره، فيتميز بها عليه، وهذا هو معنى التفضيل.
_________________
(١) مجلة المنهل (مجلد ٣٧، ص ٦٠٢ - ٦٠٣). وانظر مقالًا قيمًا بعنوان: "عصا موسى" للأستاذ خالد عبد الحميد، في مجلة البيان (العدد ١٦٧).
[ ١٦٦ ]
٢ - أن المزية والفضيلة والخصيصة والمنقبة: ألفاظ مترادفة تدل على الخصلة التي يفضل الله بها بعض مخلوقاته، وقد تكون وهبية أو كسبية.
فالنبوة والرسالة مزية وهبية، وخصيصة وفضيلة ومنقبة، فضل الله بها أنبياءه ورسله.
وتخصيص جبريل ﵇ بالوحي مزية وهبية، وفضيلة وخصيصة ومنقبة فضل الله بها جبريل على الملائكة.
والعلم فضيلة ومزية وخصيصة ومنقبة فضل الله به العالم على الجاهل.
وليلة القدر فضلها الله بنزول القرآن فيها، وهي مزية وفضيلة وخصيصة ومنقبة، وبها أيضًا فضل الله شهر رمضان.
ويوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، فضلها الله بمزايا لم توجد في غيرها من الأيام.
وفضل الله مكة والمدينة بمزايا لم توجد في غيرهما من البلاد.
وإذا تعارضت المزايا في شخصين أو زمانين أو مكانين فضل أحدهما على الآخر بأكثرها عددًا، أو أكبرها وزنًا وقيمة.
ومن هنا كان النبي ﷺ أفضل الأنبياء لكثرة مزاياه، وعظم وزنها وقيمتها.
وعلى هذا الأساس يحصل التفاضل بين الصحابة والأئمة والعلماء والأولياء.
ثم المزايا التي يمكن المفاضلة بينها عند التعارض هي العارضة لصاحبها؛
[ ١٦٧ ]
كالرسالة والصحية والعلم والزهد مثلًا.
أما المزية الذاتية للشيء فلا يمكن أن توازيها مزية عارضة، فضلًا عن أن ترجح عليها.
ولهذا كان القرآن أفضل الأذكار على الإطلاق؛ لأنه كلام الله، فمزيته ذاتية له، بمعنى أنها جزء من مفهومه، إذ لا يمكن أن يتصور القرآن في الذهن إلا بأنه كلام الله وصفته.
بخلاف الذكر أو الصلاة على النبي -ﷺ-، فإنه عملنا أضيف إلى الله على وجه العبادة له، وشتان بين صفة الله وعبادته.
فمن زعم أن بعض الأذكار يوازي القرآن، أو يزيد عليه كان كمن زعم أن قدرة المخلوق في بعض حالاتها تساوي قدرة الخالق أو تزيد عليها، وكلا الزعمين فاسد بضرورة العقل، ضلال بحكم الشرع.
والحديث القدسي الذي يرويه النبي -ﷺ- عن الله ﵎ هو مع أنه كلام الله تراخي في الفضل عن القرآن الأمرين:
- احتمال أن يكون مرويًا عن الله بالمعنى لا باللفظ، والقرآن ليس كذلك، بل هو مروي باللفظ والمعنى.
- احتمال أن يكون وحيًا في المنام، أو نفثًا في الروع، والقرآن لا يكون وحيًا في المنام ولا نفثًا.
فلهذين الاحتمالين لم يعط حكم القرآن في الفضل، ولا في التلاوة.
[ ١٦٨ ]
وأما خلال تلك العبارة؛ فلأن الذين يلوكونها بألسنتهم، فلا يستطيعون أن يذكروا لها معنى يفرق بينها وبين الفضيلة والخصيصة والمنقبة، حتي يمكنهم أن يقولوا: هذه مزية لا تقتضي التفضيل، وهذه فضيلة تقتضيه.
نعم، ليس لديهم تعريف يفرق بين هذه الألفاظ المترادفة.
ويلزم على هذا الخلل فساد كبير؛ إذ ما من فضيلة إلا ويمكن أن يقال عنها: إنها مزية لا تقتضي التفضيل.
فيقال في خلة إبراهيم ﵇: إنها مزية لا تقتضي تفضيله، ويقال في موسى ﵇: كونه كليم الله مزية لا تقتضي تفضيله. ويقال مثل ذلك في فضائل النبي -ﷺ-، وفي فضائل الصحابة.
فتبطل الفضائل، ويختل ميزان معرفتها، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى.
قد يقال: إن الله تعالى صرح بتفضيل موسى بالكلام،؛ فقال سبحانه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (^١).
فنقول: هذه الآية دليل لنا على أن المزية تقتضي التفضيل، وعلى أن تلك الجملة كاذبة.
ومن فروع هذه الجملة -سوى ما سبق- اعتقادهم أن الولي قد يكون أعلم من النبي، مستندين إلى قصة موسى والخضر ﵉، بناء على زعمهم أن الخضر ولي، وهذا رأي ضعيف شاذ.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٤٤).
[ ١٦٩ ]
والراجح عند الجمهور، وهو الذي لا يجوز غيره: أن الخضر نبي، والدليل على نبوته من القرآن أمور:
١ - قوله لموسى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (^١) ولا يجرؤ ولي أن يخاطب رسولًا بهذا النفي المؤكد اعتمادًا على مجرد الإلهام أو الكشف، ولولا أنه نبي يوحى إليه ما علم ذلك ولا نطق به.
٢ - قتله للغلام، ولولا أنه أوحي إليه بقتله لما فعل ذلك بمجرد إلهام الأولياء.
٣ - قوله عن اليتيمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ (^٢)؛ ما علم إرادة الله ذلك إلا بوحي منه.
٤ - قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (^٣) أي فعلته بوحي.
٥ - علم النبي يقيني بوحي، وعلم الولي ظني بإهام، ولم يكن موسى ليرحل في طلب علم ظني، يخطئ ويصيب، ومعه علم يقيني لا يخطئ.
٦ - تبين لي من أسلوب القرآن الكريم أن الله تعالى إذا نسب إلى ذاته المقدسة تعليم شخص معين، فذلك دليل على نبوته؛ اقرأ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^٤)، وعملك ما لم تكن تعلم (^٥)، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (^٦)، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٦٧).
(٢) سورة الكهف، الآية (٨٢).
(٣) سورة الكهف، الآية (٨٢).
(٤) سورة البقرة، الآية (٣١).
(٥) سورة النساء، الآية (١١٣).
(٦) سورة المائدة، الآية (١١٠).
[ ١٧٠ ]
عَلَّمْنَاهُ﴾ (^١)، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (^٢)، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (^٣).
وقال في الخضر: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٤)، فهو نبي.
٧ - قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي نبوة.
٨ - قول موسى له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (^٥)؛ أي مما علمك الله.
٩ - وفي الصحيحين عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ-: أن الخضر قال لموسى ﵉: أنا على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم من علم الله لا ينبغي لي أن أعلمه. معني كلامه: أن كلانا على علم من الله بشريعة تخالف الأخرى، فلا ينبغي لأحدنا أن يعلم شريعة الآخر، لأنه غير مكلف بها، وتثير دهشته واستغرابه. وهذه هي النبوة في أجلى معانيها.
وبعضهم استند إلى قول أبي يزيد البسطامي: خضنا بحرًا وقفت الأنبياء بساحله، فهم منه أن الولي قد يخوض في علوم ومعارف لم يعرفها الأنبياء،
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٦٨).
(٢) سورة يوسف، الآية (٢١).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٨٠).
(٤) سورة الكهف، الآية (٦٥).
(٥) سورة الكهف، الآية (٦٦).
[ ١٧١ ]
وأبو يزيد لم يقصد هذا المعنى، لأنه كفر صراح.
وإنما قصد بحر الشهوات؛ فهذا البحر وقف الأنبياء بساحله، يحذرون الناس من خوضه؛ كما قال النبي ﷺ: "أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" (^١).
وقال أيضًا: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" (^٢).
وروى ابن عبد البر في الاستيعاب عن خالد بن سعيد بن العاص أنه رأى في المنام أنه وُقِفَ به على شفير جهنم، ورأى والده يدفعه فيها، وراي النبي -ﷺ- أخذ بحقويه لئلا يقع فيها، ففزع وقال: أحلف بالله إنها لرؤيا حق ولقي أبا بكر ﵁ فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أريد بك خير، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي النبي -ﷺ- بأجياد فأسلم.
فوظيفة الأنبياء تحذير الناس من خوض بحر الشهوات الذي يؤدي بهم إلى النار، أعاذنا الله منها" (^٣).