هذه العبارة يتفوه بها -كثيرًا- بعض الجهلة من الرجال، منتقصين بها النساء على سبيل التهكم والسخرية، وأنهن حمقاوات وقليلات دين، زاعمين بأن هذا مراد قوله -ﷺ- في النساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن … " (^٢).
وقد سئل الشيخ ابن باز -﵀-: "دائمًا نسمع الحديث الشريف (النساء ناقصات عقل ودين) ويأتي به بعض الرجال للإساءة للمرأة، نرجو من سماحتكم توضيح معنى هذا الحديث؟ " فأجاب -﵀- بقوله:
_________________
(١) المصدر السابق نفسه، ص ٤٧٤.
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٣٠٤)، ومسلم برقم (٨٠).
[ ٩٨ ]
"معني حديث رسول الله -ﷺ- (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقيل: يا رسول الله: ما نقصان عقلها؟ قال: أليست شهادة المرأتين بشهادة رجل؟ قيل: يا رسول الله ما نقصان دينها؟ قال: أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) بيَّن ﵊ أن نقصان عقلها من جهة ضعف حفظها، وأن شهادتها تجبر بشهادة امرأة أخرى؛ وذلك لضبط الشهادة بسبب أنها قد تنسى فتزيد في الشهادة أو تنقصها كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^١). وأما نقصان دينها فلأنها في حالة الحيض والنفاس تدع الصلاة وتدع الصوم ولا تقضي الصلاة؛ فهذا من نقصان الدين، ولكن هذا النقص ليست مؤاخذة عليه، وإنما هو نقص حاصل بشرع الله ﷿، هو الذي شرعه ﷿ رفقًا بها وتيسيرًا عليها؛ لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصيام وقت الحيض والنفاس والقضاء بعد ذلك.
وأما الصلاة فإنها حال الحيض قد وجد ما يمنع الطهارة، فمن رحمة الله جل وعلا أن شرع لها ترك الصلاة، وهكذا في النفاس. ثم شرع لها أنها لا تقضي؛ لأن في القضاء مشقة كبيرة؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
[ ٩٩ ]
خمس مرات، والحيض قد تكثر أيامه، فتبلغ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر، والنفاس قد يبلغ أربعين يومًا، فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقط عنها الصلاة أداءً وقضاءً، ولا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، ونقص دينها في كل شيء، وإنما بين الرسول -ﷺ- أن نقص عقلها من جهة ما قد يحصل من عدم الضبط للشهادة، ونقص دينها من جهة ما يحصل لها من ترك الصلاة والصوم في حال الحيض والنفاس. ولا يلزم من هذا أن تكون أيضًا دون الرجل في كل شيء، وأن الرجل أفضل منها في كل شيء؛ نعم جنس الرجال أفضل من جنس النساء في الجملة لأسباب كثيرة؛ كما قال ﷾: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (^١) لكن قد تفوقه في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم لله من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها، وإنما ورد عن النبي ﷺ أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بينهما النبي -ﷺ-.
وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح، وفي تقواها الله ﷿، وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطًا كثيرًا من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها، فتكون مرجعًا في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة، وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٣٤).
[ ١٠٠ ]
عهد النبي -ﷺ- وبعد ذلك، وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية، وهكذا في الشهادة إذا انجبرت بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضًا تقواها لله وكونها من خيرة عباد الله ومن خيرة إماء الله إذا استقامت في دينها، وإن سقط عنها الصوم في الحيض والنفاس أداءً لا قضاء، وإن سقطت عنها الصلاة أداءً وقضاءً؛ فإن هذا لا يلزم منه نقصها في كل شيء من جهة تقواها الله، ومن جهة قيامها بأمره، ومن جهة ضبطها لما تعتني به من الأمور، فهو نقص خاص في العقل والدين كما بينه النبي ﷺ فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء وضعف الدين في كل شيء، وإنما ضعف خاص بدينها، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إنصافها وحمل كلام النبي -ﷺ- على خير المحامل وأحسنها والله تعالى أعلم" (^١).