روح الإسلام مصطلح جديد -فيما أعلم- تكلم به العلماء المحدثون ليقيسوا عليه بعض العبارات المستخدمة في المذاهب السياسية والاجتماعية وغيرها.
وأول ما تحدد معناها -عندي- كان وقت إذ سمعت أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة -﵀- يتحدث عنه ويشرحه.
ويقصدون به: ما يفهمه (المجتهد) من مجموع النصوص مجموعا بعضها إلى بعض، بحيث تعطي معنى جديدًا، أو مبدأ جديدًا، من غير أن يكون هناك نص جزئي خاص بهذا الذي انطبع عند المجتهد من مجموع النصوص.
مثال ذلك: أن نقول: روح الإسلام النظافة، روح الإسلام الذوق؛ من غير أن يكون هناك نص خاص يتحدث عن النظافة أو عن الذوق بمعني الرقة والرقي في المعاملة الاجتماعية، وإنما ينظر المجتهد في قول الله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ …﴾ (^١) الخ الآية، وقوله -ﷺ-:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٦).
[ ٣٧ ]
من أكل ثومًا أو بصلًا فليعْتزلنا" (^١). وقوله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده" (^٢) وأشباه هذه النصوص، فيقول: روح الإسلام: النظافة.
وهذا الذي استخلصه المجتهد، وانطبع عنده، ويسمى روح الإسلام، لا بد أن يكون قابلًا للبرهنة عليه بأحد أدلة الشرع، وأن يكون متفقًا ونصوص الشريعة، وإلا كان اجتهادًا خاطئًا، وقولًا بالهوى، وتشريعًا بالرأي الصرف غير المستند إلى الشريعة، يجب على المجتهد الرجوع عنه إذا كان يناقض الشريعة.
وهذا الذي يفهمه المجتهد من مجموع النصوص شبيه بدلالة النص على معني تابع غير معناه الذي سبق له النص، يأخذ منه المجتهد حكمًا فقهيًا، مع الحكم الأصلي الذي سبق النص من أجله. وذلك مثل قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٣) فالمراد الأصلي من الآية هو: إيجاب السعي إلى صلاة الجمعة عند النداء لها، ولكن المجتهد يأخذ من هذا النص الموجب للسعي حكما آخر هو: بطلان عقد البيع وفساده؛ لأنه يرى أن الدلالة على فساده لزمته من النهي عن ترك السعي، والأمر بالسعي إلى المسجد، وذلك من غير إبطال للحكم الأصلي الذي سيقت له الآية.
_________________
(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٨٥٥)، ومسلم برقم (٥٦٤).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري بنحوه، رقم (١٦٢)، ومسلم بلفظه، رقم (٢٧٨).
(٣) سورة الجمعة، الآية (٩).
[ ٣٨ ]
وعملية: روح الإسلام هذه أشبه بعملية الفرض في العلوم الطبيعية، وهو عبارة عن رأي ظني لتفسير الظاهرة؛ إذ يقوم العالم باستخلاص هذا الفرض من المعلومات الجزئية التي جمعها في موضوع البحث، ثم يبتدئ من هذا الفرض، لينتهي إلى نتائج تكون أحكامًا علمية في موضوع بحثه، فإذا ما تبين العالم خطأ الفرض الذي وضعه واستخلصه من الجزئيات افترض فرضًا آخر، حتى ينتهي إلى الصحيح الذي تؤيده التجارب.
ومن عملية روح الإسلام انتهى العلماء إلى وضع مبادئ كلية قالوا: إنها مقصود الإسلام، سمّوها مصالح، وهذه المصالح من حيث درجة الإلزام بها ليست على مكان سُوي، بل منها ما هو ضروري: تفوت الحياة بفوته، ومنها ما هو أقل من ذلك: لا تفوت به الحياة، بل تضطرب لفوته، ومنها ما هو للحياة زينة وجمال وكمال. وذلك مبحث معروف في علم أصول الفقه قديمًا.
ولا يزال من حق المجتهد المستوفي شروط الاجتهاد أن يستخلص من نصوص الإسلام ما يكوّن قواعد عامة، وكليات جامعة، ومبادئ للحكم والسلوك.
ولسوف يظل للمجتهدين المستحقين لصفة الاجتهاد هذا الحق الذي يفرضه الإسلام فرضًا؛ وذلك مثل مبادئ: الحرية، الكرامة، حق تقرير المصير .. إلى آخر هذه الكلمات المستحدثة في أفكار البشر، من كل ما يكون حقا في ذاته، وصحيحًا في العقل السليم، والتجارب المنتجة.
ومن خطل الرأي وخطئه أن يقول قائل: لماذا لم يقل بالحرية والكرامة … المسلمون من قبل. أو يقال: إنكم لم تقولوا بهذا إلا بعد أن اطلعتم على
[ ٣٩ ]
ثقافة قوم آخرين، وأفكارهم؛ كما قال ذلك كاتب الوهم -د. فؤاد زكريا- في رده على الأستاذ خالد محمد خالد، عندما عرض (مستخلصاته، وانطباعاته) من نصوص الإسلام في الحكم الإسلامي من تعدد الصحف والأحزاب .. إلى آخر ما اجتهد فيه الأستاذ خالد.
لا يقال ذلك للآتي:
١ - لأن قاعدة الفقه الإسلامي تقرر: أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا حظر إلا بنص. قرر العلماء هذه القاعدة بحكم العقل، واستخلاصًا من مجموع نصوص الإسلام؛ فالعقل يدل على أن الأصل براءة الذمة من التكليف قبل ورود الشرع، ونصوص الشريعة التي تنكر التحريم من غير إذن الله دلت على أن الأصل إنما هو الإباحة، ليس التحريم
٢ - وقرر العلماء بطريق تلك القاعدة: أن موقف الإسلام من الأمر الجديد، ومما لم يرد في الشرع أنه مقبول ما لم يعارض الشرع معارضة حقيقية.
٣ - لا يمنع الإسلام أن يستفيد المسلم من أي أحد من الناس، ما يعينه على فهم الإسلام وتنفيذ ذلك المفهوم.
٤ - ولأن العقل -والإسلام هو الدين الوحيد الذي اعتدّ به في الاستدلال- لا يمنع أن أمرًا ما يعين المسلم على فهم أمر آخر، لم يفهمه من لم يطلع على ذلك الأمر الأول.
٥ - ولأن العقل لا يقول -عند هذه الاستعانة- إن الأمر المستعان به قد ألغي الأمر المستعان عليه، أو أنه لم يكن متضمنًا هذا المفهوم الجديد؛
[ ٤٠ ]
فقد يكون أمرٌ ما متضمنًا لجملة حقائق، يستخلص بعضها قوم في زمانهم، ثم يأتي آخرون، فيهتدون إلى حقائق أخر مما كان مكنونًا في الأمر نفسه.
ومن الأمر العجيب أن هذه الحقيقة التي ينكرها د. زكريا المسلم، أدركها مسيحي من قوم خصمين؛ ذلك هو السير: (ريتشارد وود) قنصل إنجلترا في تونس، حين كانت دول أوربا إلبًا على الدولة العثمانية تعمل على هدمها واقتسام إمبراطوريتها، واتهامها بأن دينها الإسلامي هو سبب تخلفها، وأنه العقبة في تحقيق ما تعتزمه من إصلاح.
وكتب قنصل الإنجليز تقريرا في ٧/ ١١/ ١٨٧٨ إلى وزير خارجيته، ومما جاء في هذا التقرير قوله: وحاصل ما قرره الفقهاء أن النظم التي رأت الدولة العثمانية العمل بها، خصوصًا تأسيس المجلس النيابي لا ينافي أصول الشرع، بل هو مطابق لصريح قواعده ونصوصه، وإني بسطت القول في أصول الشريعة الإسلامية لإزالة ما توهمه الناس من أن الدولة العثمانية لا تقدر على إتمام ما وعدت به من أنظمة؛ لأنها مخالفة لما جاء في القرآن، ومن أوهام الناس هذه: أن الإسلام ينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة؛ لأنه لا يجيز انتشار المعارف، والتحلي بالعلوم … لكننا إذا أمعنا النظر في أصول الشريعة لا نرى فيها ما ينافي تأليف مجلس نيابي عثماني. وللعالمين الشهيرين: ابن العربي، وسعد الدين التفتازاني كلام في ذلك:
يقول ابن العربي: ، ويقول السعد: …، ويقول حجة الإسلام الغزالي: …، (ونقل كلامهم المؤيد لما قال) وعلّق بقوله: وكلهم متفقون
[ ٤١ ]
على أن اشتراك رأي الأمة في شؤون المملكة ليس جائزًا فقط، بل هو القاعدة الأساسية في الإسلام.
أقول: من قبل أن أعلم هذا التقرير، كنت أعلم قول الغزالي: "فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر باغ يجب ردّه إلى الانقياد إلى الخلق" (^١).
ويقول ابن نجيم: "إذا كان فعل الإمام مبنيًا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة، لم ينفذ أمره شرعًا إلا إذا وافق الشرع، فإن خالفه لم ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف -﵀- في كتاب الخراج من باب إحياء الموات: وليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف" (^٢).
هذه أقوال العلماء الذين مضى على أكثرهم قرون، ولا يستطيع د. زكريا القول بأنهم تأثروا بالغرب تأثر خالد محمد خالد، ولا يستطيع حسين أحمد أمين أن يقول عن القنصل البريطاني: إنه أراد أن يصدم مشاعر قومه، أو انه أراد أن يظهر بمظهر الكاتب الحر، ولا أنه كتب ذلك طمعًا في نفط العرب، كما قال عمن كتبوا صادقين عن سيرة الرسول وحقيقة الإسلام، فليست كتابة القنصل البريطاني ترجمة عن نبي الإسلام أريد بها البحث العلمي … إنما تقرير رسمي قدمه دبلوماسي إلى دولته، وشهادة بالواقع الذي رآه، وشهادة بما علم.
_________________
(١) إحياء علوم الدين، ١/ ١٢٠.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص ١٢٤.
[ ٤٢ ]