سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "يسعدني أن أتحدث في رسالتي المتواضعة إلى سماحتكم، فأنا أتحدث إلى واحد من أشهر الشخصيات الإِسلامية في عالمنا الإِسلامي وغيره، وأرجو أن يتسع صدركم الكبير لقراءة هذه السطور، ولكم من الله جزيل الشكر والعرفان، وجزاكم الله خيرًا عنا.
(ذو الجلال والإكرام): اسم من اسماء الله الحسنى، وهو تعظيم الله عن كل شيء وتنزيه له، وقد قرأت لسماحتكم رسالة إلى العاهل السعودي وكنتم قد بدأتموها بقولكم: (جلالة الملك). ألستم معي في أن الجلالة الله وحده، وأن الملك اسم من أسمائه الحسنى لا يجوز تسمية شخص بها أيًّا كانت صفته وشخصيته، فنرجو إيضاح ذلك من سماحتكم حتَّى لا يقع المسلمون في إثم من جراء تنزيه الأشخاص بهذه الصَّفات الَّتي اختصها الله لنفسه دون غيره، اللَّهُمَّ إلَّا: (رؤوف رحيم) صفة لسيدنا محمد ﷺ.
وفي نفس الوقت تصادفت تحت يدي وأنا أتصفح في المجلة العربية في العدد (٨٩) منها رسالة شكر من الأستاذ/ محمد النويصر رئيس المكتب الخاص للعاهل السعودي إلى القائمين على إخراج المجلة، وهو يبدأ رسالته بقوله: (لقد تسلم جلالة مولاي حفظه الله خطابكم المرسل وبه أعداد المجلة ..).
فأجابت: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد
_________________
(١) مجلة المجتمع (العدد ١٣٧٣).
[ ١٤٤ ]
إن كثيرًا من الأسماء مشتركة بين الله تعالى وبين غيره من مخلوقاته في اللَّفظِ والمعنى الكلي الذهني؛ فتطلق على الله بمعنى يخصه تعالى ويليق بجلاله سبحانه، وتطلق على المخلوق بمعنى يخصه ويليق به، فيقال مثلًا: الله حليم، وإبراهيم الخليل -﵊- حليم، وليس حلم إبراهيم كحلم الله، واللهُ رؤوف رحيم، ومحمد ﷺ رؤوف رحيم، وليس رأفة محمد -ﷺ- ورحمته كرأفة الله بخلقه ورحمته، واللهُ تعالى جليل كريم ذو الجلال والإكرام على وجه الإطلاق، وكل نبي كريم جليل، وليست جلالة كل نبي وكرمه كجلالة غيره من الأنبياء وكرمه، ولا مثل جلال الله وكرمه، بل لكل من الجلالة والكرم ما يخصه، واللهُ تعالى حي، وكثير من مخلوقاته حي، وليست حياتهم كحياة الله تعالى، واللهُ سبحانه مولى رسوله محمد -ﷺ- وجبريل وصالح المؤمنين، وليس ما لجبريل وصالح المؤمنين من ذلك مثل ما لله من الولاية والنصر لرسوله -ﷺ- .. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه، ولا يلزم من ذلك تشبيه المخلوق بالخالق في الاسم أو الصفة وأسلوب الكلام، وما احتف به من القرائن يدل على الفرق بين ما لله من الكمال في أسمائه وصفاته وما للمخلوقات ممَّا يخصهم من ذلك على وجه محدود يليق بهم.
واقرأ ذلك في القرآن وسنة النَّبِيّ -ﷺ- مع التدبر وإمعان النظر يتضح لك الأمر ويذهب عنك الإشكال بحول الله وقوته، ثمَّ ارجع إلى ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أول رسالة (التدمرية) فإنَّه وفَّى المقام حقه" (^١).
_________________
(١) مجلة البحوث الإِسلامية (٣٩/ ٨٩ - ٩١).
[ ١٤٥ ]