قال الدكتور عبد الله بن الصديق في مقاله (أغلاط شائعة): "ومنها: قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. هذه الجملة قيلت قديمًا ووقعت في
_________________
(١) متفق عليه: رواه بنحوه: البخاري برقم (٦٤٨٣)، ومسلم برقم (٢٢٨٤).
(٢) رواه مسلم برقم (٢٨٢٣).
(٣) مجلة دعوة الحق (س ١٩، ع ٩، ص ٧١ - ٧٣).
[ ١٧٢ ]
كلام بعض الكبراء؛ مثل الإمام النووي ﵁، وظنها بعضهم حديثًا، وليست هي بحديث، كما قال الحافظ السخاوي.
والواقع أنها خطأ من وجوه ثلاثة:
١ - أن الحسنة من حيث ذاتها لا تختلف باختلاف فاعلها؛ فالحسنة من العاصي حسنة من الطائع، والحسنة من العالم أو الولي حسنة من النبي. ولا يعقل أن تكون حسنة من صالح هي نفسها سيئة من نبي، نعم قد يعرض للحسنة ما يجعلها سيئة لأمر خارج عارض لها، لا لذاتها. وهي من أفراد مسألة الواحد بالشخص له جهتان لا تلازم بينهما. وهذه المسألة مقررة في علم الأصول.
٢ - أن الأبرار هم المقربون؛ اختلفا في المفهوم، واتحدا في ما هو صدق. وعلى هذا يصير معنى الجملة: حسنات الأبرار سيئات الأبرار، وهذا تهافت. والدليل على اتحادهما قول الله تعالى في الملائكة المقربين: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (^١) مع قوله في الصالحين من المؤمنين: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (^٢)؛ بررة وأبرار، جمعان لبار؛ أولهما جمع كثرة، والآخر جمع قلة. عبر في الملائكة بجمع الكثرة، لأنهم مع كثرتهم طائعون مقربون، ليس فيهم عاص. وعبر في المؤمنين بجمع القلة، لأنهم أقلاء بالنسبة لغيرهم. يؤيد هذا أنه عبر في أضدادهم بجمع الكثرة، حيث قال
_________________
(١) سورة عبس، الآيتان (١٥، ١٦).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٩٣).
[ ١٧٣ ]
سبحانه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (^١) لأنهم أكثر بني آدم.
٣ - ما المراد بحسنات الأبرار؟ أن أريد جميعها فهو باطل قطعًا. وإن أريد بعضها فما هو؟ وكيف السبيل إلى تعيينه؟ وما الدليل عليه؟ " (^٢).