قال الدكتور عبد الله بن الصديق في مقاله (أغلاط شائعة): "ومنها قولهم: خطأ مشهور، خير من صواب مهجور. وهذه جملة خطيرة، تدعو إلى ترك صواب كثير بدعوى أنه مهجور لا يعرف.
وقد وقعت أخطاء كثيرة في مسائل دينية واشتهرت، فهل يتبعها الناس ويدعون الصواب المهجور؟ إن فعلوا ذلك ضلوا ضلالًا مبينًا.
ثم الخطأ يحصل عن جهل من المخطئ، والصواب نتيجة علم وبحث، فهل يجوز أن يقدم الجهل على العلم؟ والله تعالى علمنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (^٣).
فأفاد أن الخطأ من المعفوات، وأن الصواب هو الأصل والقاعدة.
وصرح النبي -ﷺ- بذلك في قوله: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه" (^٤).
_________________
(١) سورة عبس، الآية (٤٢).
(٢) مجلة دعوة الحق (س ١٩، ع ٩، ص ٧١ - ٧٢).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٧٦).
(٤) رواه بنحوه ابن ماجه برقم (٢٠٤٣، ٢٠٤٥).
[ ١٧٤ ]
فكيف يصير الخطأ المعفو أصلًا معمولًا به، ويطرح الصواب الذي هو الأصل؟!
أليس في هذا مخالفة للكتاب والسنة؟!
ثم ما هذه الشهرة التي تجعل الخطأ مقبولا دون الصواب؟ إن كانت عند العوام فلا اعتبار لها، وإن كانت عند العلماء فلم يحصل أنهم تواطأوا على خطأ حتى اشتهر بينهم، بل لا بد أن يتنبه له وينبه عليه طائفة منهم.
ثم لفظ الهجر يفيد ترك الشيء عن عمد؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (^١). وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (^٢).
وترك الصواب عن عمد يوقع في الإثم؛ لأنه إما عن عناد، أو استكبار. فاستبدال الخطأ المشهور به إصرار على الإثم، وهو معصية.
فحق تلك العبارة أن تكون هكذا: صواب مهجور، خير من خطأ مشهور" (^٣).