يستخدم بعض الكتاب هذا اللفظ للتعبير عن عدم قدرتهم أو غيرهم على التغير، فيقول أحدهم: "أنا لا أملك عصا موسي السحرية لأغير هذا الشي" .. وهكذا
وهذا اللفظ قد بين بطلانه وخطورة التفوه به الشيخ حمود التويجري -﵀- في مقال له نشر في مجلة المنهل، قال فيه: "الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. وبعد
فقد رأيت في جريدة الرياض في الصفحة الرابعة من العدد ٣٤٠٨ الصادر في يوم الأربعاء ٨ شعبان ١٣٩٦ هـ تحت عنوان "مجنون يحكي وعاقل يفهم" وقد سمى الكاتب نفسه إبراهيم ولم يزد على ذلك؛ رأيت فيه ما نصه: "أمْ تري فرنجية يمسك بعصا موسى السحرية" انتهى المقصود من كلامه.
_________________
(١) تقنين الشريعة: أضراره ومفاسده (ص ٥ - ٦).
[ ١٦٢ ]
وأحب أن أنبه الكاتب خاصة وغيره من قراء الجريدة عامة إلى أن عصا موسي ليست سحرية، وإنما هي آية من آيات الله الكبرى وبرهان من الله تعالى على صدق نبيه موسى ﵊؛ قال الله تعالى في سورة طه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ (^١). وقال تعالى في سورة النازعات: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ (^٢) وقال تعالى في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (^٣) وقال تعالى في سورة القصص: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ
_________________
(١) سورة طه، الآيات (١٧ - ٢٣).
(٢) سورة النازعات، الآيتان (٢٠، ٢١).
(٣) سورة النمل، الآيات (١٠ - ١٢).
[ ١٦٣ ]
﴿مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (^١).
فالله ﵎ جعل عصا موسى حية عظيمة تسعى حين ألقاها موسى من يده، ثم أعادها الله ﵎ إلى حالتها الأولى: عصا حين أخذها موسى في يده. والله على كل شيء قدير، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢)، وليست عصا موسي من قبيل السحر، والقول بأنها سحرية هو قول فرعون وملئه؛ قال الله تعالى في سورة الشعراء حاكيًا قصة موسى معهم: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (^٣) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (^٤) وقال تعالى في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ
_________________
(١) سورة القصص، الآيتان (٣١، ٣٢).
(٢) سورة النحل، الآية (٤٠).
(٣) سورة الشعراء، الآيات (٣٠ - ٣٥).
(٤) سورة الأعراف، الآيات (١٠٦ - ١١٠).
[ ١٦٤ ]
﴿مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (^١) وقال تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ (^٢) وقال تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ (^٣) الآية. وقال تعالى في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (^٤) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (^٥).
والقول بأن عصا موسي سحرية كفر بإجماع أهل العلم، لما فيه من تكذيب ما أخبر الله به عنها في سورة طه من أنها صارت حية تسعى. وما أخبر به عنها في سورتي الأعراف والشعراء من أنها صارت ثعبانًا مبينًا.
قال القاضي عياض في كتابه الشفا: "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه أو بهما، أو جحده أو حرفًا منه أو آية، أو كذب به
_________________
(١) سورة النمل، الآيتان (١٣، ١٤).
(٢) سورة يونس، الآيتان (٧٦، ٧٧).
(٣) سورة طه، الآية (٥٧، ٥٨).
(٤) سورة القصص، الآية (٣٦).
(٥) سورة الأعراف، الآية (١٣٢).
[ ١٦٥ ]
أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفي ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع" انتهي .. فقد صرح بتكفير من كذب بشيء مما صرح به في القرآن من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفي ما أثبته، أو شك في شيء من ذلك، وأن ذلك إجماع أهل العلم. فليتنبه الكاتب وغيره لما ذكره القاضي عياض لئلا يقع أحد منهم في الكفر وهو لا يشعر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه" (^١).