سئل سماحة الشيخ ابن باز -﵀-: "لقد ورد في صحيفة محلية خبر جاء فيه: (منصور .. البالغ من العمر ١٣ ربيعًا مزدهرًا برحيق الصبا .. كان على موعد مع الحزن والأسى، ولعبة القدر العمياء) ثم .. ولكن القدر المترصد المنصور لم يحكم لعبته الأزلية .. إلخ)، وفي نفس الصحيفة ورد خبر عن فتاة سحقتها سيارة، وعندما علمت أمها حضرت على التو لتشهد الحادث الأليم الذي أطاح بأسرتها، وأحال حياتها إلى جحيم لا ينتهي). فما حكم الشرع في مثل هذا الكلام؟ جزاكم الله خيرًا.
فأجاب: المشروع للمسلم عند وقوع المصائب المؤلمة الصبر والاحتساب، وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، وأن يتحمل الصبر، ويحذر الجزع والأقوال المنكرة؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (^١).
وقول النبي -ﷺ-: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" (^٢) خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا
_________________
(١) سورة البقرة، الآيات (١٥٥ - ١٥٧).
(٢) رواه مسلم في (كتاب القدر) برقم (٢٦٦٤).
[ ١٢٦ ]
لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها" (^١).
ولا يجوز الجزع وإظهار السخط أو الكلام المنكر مثلما ذكر في السؤال: (لعبة القدر العمياء)، وهكذا قوله: (ولكن القدر المترصد المنصور لم يحكم لعبته الأزلية).
هذا الكلام وأشباهه من المنكرات العظيمة، بل من الكفر البواح؛ لكونه اعتراضًا على الله سبحانه، وسبًّا لما سبق به علمه واستهزاءً بذلك، فعلى من قال ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه توبةً صادقةً، وقد صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "ليس منا من ضرب الحدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية" متفق على صحته من حديث ابن مسعود ﵁ (^٢)، وقال -ﷺ-: "أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" متفق على صحته من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (^٣). والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة، وبالله التوفيق" (^٤).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في (باقي مسند الأنصار) برقم (٢٦٠٩٥)، ومسلم في (كتاب الجنائز) برقم (٩١٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) برقم (٣٦٥٠)، والبخاري في (الجنائز) برقم (١٢٩٤)، ومسلم في (الإيمان) برقم (١٠٣) واللفظ له.
(٣) رواه مسلم في (الإيمان) برقم (١٠٤).
(٤) مجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ١١٠ - ١١٢).
[ ١٢٧ ]