سئل الشيخ محمد عليّ عبدالرحيم عن معنى هذه الكلمة: (مدد) عند الصوفية، فأجاب: "كلمة مدد يراد بها أن يمده الشيخ أو الضريح بزيادة الخير من نجاح أو مغفرة، أو طلب معونة، أو دفع مضرة، فالقائل لكلمة مدد لا يطلب المدد بالخير من الله، بل يطلبه من الشيخ أو الضريح، وهذا هو الشرك الأكبر (^٤)، لأن طلب المده لا يكون إلَّا من الله وحده، فعلى هؤلاء الذين يسألون المدد من الأضرحة أن يتوبوا إلى الله ولا يصرفوا حق
_________________
(١) سورة طه، الآية (٣٩).
(٢) الإِمام أحمد ٤/ ٣٩٥ و٤٠١ و٤٠٥، ومسلم برقم ١٧٩، وابن خُزَيْمَة في كتاب التوحيد برقم ٢٨ و٣١ و١٠٠ و١٠١.
(٣) مجلة البحوث الإِسلامية (٣٩/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٤) وفي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "قول جماعة المنشدين: مدد يا سيدنا الحسين، مدد يا سيدة زينب، مدد يا بدوي يا شيخ العرب، مدد يا رسول الله، مدد يا أولياء الله .. إلى أمثال ذلك، أشد نكرًا وأفحش وزرًا، فإنَّه شرك أكبر يخرج قائله من ملة الإسلام، والعياذ بالله … " (مجلة البحوث الإِسلامية ٣٤/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ١٤٩ ]
الله إلى غير الله من الموتى الذين لا يملكون مددًا ولا يدفعون ضرًا، وماذا عليهم لو طلبوا المدد من الله وحده؟ " (^١).
وسئل سماحة الشيخ ابن باز -﵀-: "نسمع أقوامًا ينادون: مدد يا رسول الله، مدد يا نبي، فما الحكم في ذلك؟
فأجاب: هذا الكلام من الشرك الأكبر، ومعناه: طلب الغوث من النَّبِيّ -ﷺ-، وقد أجمع العلماء من أصحاب النَّبِيّ -ﷺ﵃ وأتباعهم من علماء السُّنَّة على أن الاستغاثة بالأموات من الأنبياء وغيرهم، أو الغائبين من الملائكة أو الجن وغيرهم، أو بالأصنام والأحجار والأشجار أو بالكواكب ونحوها: من الشرك الأكبر؛ لقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (^٢)، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٣)، وقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
_________________
(١) مجلة التوحيد (س ١٩، ٦٤، ص ٢٦).
(٢) سورة الجن، الآية (١٨).
(٣) سورة فاطر، الآيتان (١٣، ١٤).
(٤) سورة المؤمنون، الآية (١١٧).
[ ١٥٠ ]
وهذا العمل هو دين المشركين الأولين من كفار قريش وغيرهم، وقد بعث الله الرسل جميعًا عليهم الصَّلاة والسلام، وأنزل الكتب بإنكاره والتحذير منه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٢)، وقال ﷿: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (^٣)، وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (^٤).
فأوضح سبحانه في هذه الآيات أنَّه أرسل الرسل وأنزل الكتب ليُعبدَ وحده لا شَرِيك له بأنواع العبادة من الدُّعَاء والاستغاثة والخوف والرجاء والصلاة والصوم والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة، وأخبر أن المشركين من قريش وغيرهم يقولون للرسل ولغيرهم من دعاة الحق: ﴿مَا
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٣٦).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٢٥).
(٣) سورة هود، الآيتان (١، ٢).
(٤) سورة الزمر، الآيات (١ - ٣).
[ ١٥١ ]
نَعْبُدُهُمْ﴾ يعنون الأولياء ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ والمعنى: أنَّهم عبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم، لا لأنَّهم يخلقون ويرزقون ويتصرفون في الكون، فأكذبهم الله وكفرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، فبين سبحانه أنَّهم كذبة في قولهم: إن الأولياء المعبودين من دون الله يقربونهم إلى الله زلفى، وحكم عليهم أنَّهم كفار بذلك، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وبين سبحانه في آية أخرى من سورة يونس أنَّهم يقولون في معبوديهم من دون الله: إنَّهم شفعاء عند الله؛ وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فأكذبهم سبحانه فقال: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١)، وبيَّن ﷿ في سورة الذاريات أنَّه خلق الثقلين -الجن والإنس- ليعبدوه وحده دون كل ما سواه، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٢).
فالواجب على جميع الجن والإنس أن يعبدوا الله وحده، وأن يخلصوا له العبادة، وأن يحذروا عُبَادَة ما سواه من الأنبياء وغيرهم؛ لا بطلب المدد ولا
_________________
(١) سورة يونس، الآية (١٨).
(٢) سورة الذاريات، الآية (٥٦).
[ ١٥٢ ]
بغير ذلك من أنواع العبادة؛ عملًا بالآيات المذكورات وما جاء في معناها، وعملًا بما ثبت عنه -ﷺ- وعن غيره من الرسل عليهم الصَّلاة والسلام أنَّهم دعوا النَّاس إلى توحيد الله وتخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، ونهوهم عن الشرك به وعبادة غيره، وهذا هو أصل دين الإسلام الَّذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وخلق من أجله الثقلين، فمن استغاث بالأنبياء أو غيرهم، أو طلب منهم المدد أو تقرب إليهم بشيء من العبادة، فقد أشرك بالله وعبد معه سواه، ودخل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، وفي قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٢)، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (^٤).
ولا يُستثنى من هذه الأدلَّة إلَّا من لم تبلغه الدعوة ممن كان بعيدًا عن بلاد المسلمين، فلم يبلغه القرآن ولا السُّنَّة، فهذا أمره إلى الله سبحانه.
والصحيح من أقوال أهل العلم في شأنه أنَّه يُمتحن يوم القيامة، فإن
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (٨٨).
(٢) سورة الزمر، الآية (٦٥).
(٣) سورة النِّساء، الآية (١١٦).
(٤) سورة المائدة، الآية (٧٢).
[ ١٥٣ ]
أطاع الأمر دخل الجَنَّة، وإن عصى دخل النار، وهكذا أولاد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ فإنَّ الصحيح فيهم قولان:
أحدهما: أنَّهم يُمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا دخلوا الجَنَّة، وإن عصوا دخلوا النار؛ لقول النَّبِيّ ﷺ لما سُئِلَ عنهم: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^١) متفق على صحته، فإذا امتحنوا يوم القيامة ظهر علم الله فيهم.
والقول الثاني: أنَّهم من أهل الجَنَّة؛ لأنَّهم ماتوا على الفطرة قبل التكليف، وقد صح عن رسول الله -ﷺ- أنَّه قال: "كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية- على هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (^٢)، وثبت عنه -ﷺ- أنَّه رأى إبراهيم الخليل ﵊ في روضة من رياض الجَنَّة وعنده أطفال المسلمين وأطفال المشركين.
وهذا القول هو أصح الأقوال في أطفال المشركين، للأدلة المذكورة، ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٣).
ونقل عن الحافظ ابن حجر ﵀، في شرح باب: (ما قيل في أولاد المشركين) من كتاب (الجنائز): "أن هذا القول هو المذهب الصحيح المختار الَّذي صار إليه المحققون" (^٤). انتهى المقصود.
ويستثنى من ذلك أيضًا دعاء الحي الحاضر فيما يقدر عليه؛ فإنَّ ذلك ليس.
_________________
(١) رواه البخاري برقم (١٣٨٤)، ومسلم برقم (٢٦٥٩).
(٢) رواه البخاري برقم (١٣٨٥)، ومسلم برقم (٢٦٥٨).
(٣) سورة الإسراء، الآية (١٥).
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: (٣/ ٢٤٧).
[ ١٥٤ ]
من الشرك؛ لقول الله ﷿ في قصة موسى مع القبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (^١)، ولأن كل إنسان يحتاج إلى إعانة إخوانه فيما يحتاج إليه في الجهاد وفي غيره ممَّا يقدرون عليه، فليس ذلك من الشرك، بل ذلك من الأمور المباحة، وقد يكون ذلك التعاون مسنونًا، وقد يكون واجبًا على حسب الأدلَّة الشرعية. واللهُ ولي التوفيق" (^٢).