مصطلح (الإصلاح) من المصطلحات التي شاع ذكرها وكثر تداولها في وسائل الإعلام هذه السنوات القريبة -لا سيما في بلاد التوحيد- فلا يكاد يمر أسبوع أو أسبوعان -أو شهر على أكثر تقدير! - إلا ونسمع عن ندوة تعقد عن (الإصلاح)، أو مقال يُحبر في (الإصلاح) .. وهكذا. فكلٌ يدعي وصلًا بهذا (الإصلاح) مهما اختلفت المشارب أو التوجهات؛ مما أحدث ربكة في أذهان المتابعين، وعجبًا كثيرًا عندما يرون التباين الواضح والمتناقض بين مدعي (الإصلاح)؛ مما أورث تساؤلًا لديهم عن: من (المصلح) الحقيقي من هؤلاء المدعين؟! لأن (الإصلاح) مصطلح مجمل يستعمله المصلح والمفسد في آن واحد.
وكما قال ابن القيم -﵀-: "أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل" (^٢).
وقال -أيضًا-: "أصل ضلال بني آدم: الألفاظ المجملة، والمعاني المشبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مخطبة" (^٣)
قلت: ومصطلح (الإصلاح) في القرآن الكريم نوعان:
١ - الإصلاح الصادق؛ وهو إصلاح الأنبياء والرسل وأتباعهم؛ ممن
_________________
(١) الفتاوي (١/ ٣٥).
(٢) شفاء العليل (١/ ٣٢٤).
(٣) الصواعق (٣/ ٩٢٧).
[ ٢٦ ]
يدعو إلى توحيد الله وعبادته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن تنتشر الطاعات والخير، وتندثر السيئات والشر.
قال الشيخ أبن سعدي في تفسيره: "الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله والإيمان به؛ لهذا خلق الله الخلق وأسكنهم الأرض" (^١).
ومن هذا الإصلاح الحق ما قاله شعيب ﵇ لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (^٢). ثم نهاهم عن الإفساد المضاد للإصلاح: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (^٣).
قال ابن كثير في تفسيره: فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك؛ كأن أضر ما يكون على العباد" (^٤).
وهذا الإصلاح الصادق إذا كثر حملته وظهروا وتصدروا الأمة كان ذلك أمنة -بإذن الله- أن تصيبهم العقوبة ويعمهم الهلاك؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (^٥).
قال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها، التي قص عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١/ ٥١).
(٢) سورة هود، الآية (٨٨).
(٣) سورة الأعراف، الآية (٨٥).
(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٢/ ٢٣١).
(٥) سورة هود، الآية (١١٧).
[ ٢٧ ]
وطاعتهم ربهم ظلمًا. ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله، وتماديهم في غيهم، وتكذيبهم رسلهم، وركوبهم السيئات (^١).
٢ - الإصلاح الكاذب: وهو إصلاح المنافقين والمفسدين ممن يُلبسون على الأمة بتسمية إفسادهم إصلاحًا! كما قال تعالى عن أسلافهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (^٢) لكن الدعاوى لا تنفع أصحابها إن لم تكن حقيقة؛ ولذا رد الله عليهم وبين كذبهم بقوله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (^٣).
قال الطبري -﵀- في تفسيره: "والإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه؛ فدلك جملة الإفساد … فكذلك صفة أهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق والإيقان بحقيقته، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا؛ فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها" (^٤).
وقال في تفسير قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾: "أي المخالفون
_________________
(١) جامع البيان للطبري (١٥/ ٥٣٠).
(٢) سورة البقرة، الآية (١١).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٢).
(٤) جامع البيان (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ٢٨ ]
أمر الله ﷿، المتعدون حدوده، الراكبون معصيته، التاركون فروضه" (^١).
وذكر ابن الجوزي في تفسيره أن فسادهم هو: (الكفر) و(العمل بالمعاصي) و(النفاق) (^٢).
وقال القرطبي في تفسير قول المنافقين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: "إنما قالوا ذلك على ظنهم؛ لأن إفسادهم عندهم إصلاح" (^٣).
وقال الراغب: تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح؛ لما في قلوبهم من المرض؛ كما قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٥) وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^٦).
وقال القاشاني: "كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا -لأنفسهم خاصة- لتوغلهم في محبة الدنيا" (^٧)، أي على حساب الدين.
وقال ابن سعدي في تفسيره: "جمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح! قلبًا للحقائق، وجمعًا بين فعل
_________________
(١) المصدر السابق نفسه (١/ ٢٩١).
(٢) انظر زاد المسير (١/ ٣٢).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٠٤).
(٤) سورة فاطر، الآية (٨).
(٥) سورة الأنعام، الآية (٤٣).
(٦) سورة الكهف، الآية (١٠٤).
(٧) انظر محاسن التأويل القاسمي (١/ ٢٥٢).
[ ٢٩ ]
الباطل واعتقاده حقًا. وهؤلاء أعظم جناية ممن يعمل بالمعاصي مع اعتقاد تحريمها، فهذا أقرب للسلامة، وأرجي لرجوعه" (^١).
وقال سيد قطب: "والذين يفسدون أشنع الفساد ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جدًا في كل زمان. يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتي اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم. والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية" (^٢).
وقال الطاهر بن عاشور في تفسيره: "إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع … -إلى أن قال- فالإفساد في الأرض منه: إفساد المساعي؛ كتكثير الجهل، وتعليم الدعارة، وتحسين الكفر، ومناوأة الصالحين المصلحين. ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حذف متعلق (تفسدوا) تأكيدًا للعموم (^٣).
قلت: فليتنبه المسلم بعد هذا إلى الفرق بين الإصلاحين؛ حتى لا ينخدع بدعاوى أهل النفاق لا كثرهم الله.