بسم الله الرحمن الرحيم
"١"
م عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الإمام المكرم فيصل بن تركي ألهمه اله رشده ووقاه شر نفسه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد تعلم أن نصيحتي لك نصيحة لله نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم لأن بصلاحك يقوم الدين ويصلح أكثر الناس وفي الحديث "الدين النصيحة" قالها ثلاثا قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وقد جعل الله لأهل الإيمان نورا يمشون به في الناس وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد من فتنة خالد والعسكر وقبله إبراهيم باشا ميز الله بها أهل نجد طيبهم وخبيثهم وتفاوتت مراتبهم في الشر والزيغ والفساد وكثرة السفاهة والقسوة ولا تخفى حالهم إلا على من لا بصيرة له كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهذا أمر مشاهد لمن جعل الله في قلبه نورا. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم وجعل الله أهل الإيمان
[ ١٥٢ ]
شهداء على الناس قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .
فيجب على من ولاه الله أمر الدين والدنيا أن لا يتهم من اقامهم الله شهداء على الناس وهو يعلم منهم محبة الإسلام أهله وبعض الباطل وأهله فكيف لا تقبل شهادة من أقامهم الرب شهداء في أرضه على أعمال خلقه؟ وقد قال في المؤمنين المهاجرين والأنصار ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ .
ومن الفساد الكبير على ما ذكر من العلماء ضعف الإيمان وقوة الباطل وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعة الكافرين والمنافقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليما بما يصلح عباده حكيما في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ولما كان التحذير من أولئك من أهم مقامات الدين قال الله لنبيه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ وفي الأثر "تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضاء الله بسخطهم. وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
فالمساواة بين أهل الأهواء والزيغ وبين أهل الإيمان والمعاصي وجعلهم في رتبة أهل الإيمان أو فوقهم خلاف ما أحبه الله وأمر به عباده وهو في نفسه فساد وذلك سبب سخط الله وحلول عذابه فعليك بمن إذا قربتهم قربك الله وأحبك وإذا نصرتهم نصرك الله وأيدك واحذر أهل الباطل الذين إذا قربتهم
[ ١٥٣ ]
أبعدك الله وأوجب لك سخطه قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ وفي الحديث "من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا"
وقد رأينا عجبا: أن من التفت إلى أحد دون الله خذله الله به وسلطه عليه قال العلماء ﵏ قضى الله قضاءا لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئا دون الله عذب به ومن خاف شيئا دون الله سلط عليه. وأنت تجد وترى كثيرا من الناس قدمهم ولاة الأمر في شيء من أمورهم فتعززوا على الناس وتجاسروا على الأهواء ومخالفة الشرع في أقوالهم وأعمالهم فخافهم أهل الدين "فنهم" من ذل لهم واعتذر بعدم القدرة "ومنهم" من استصلح دنياه خوفا من كيدهم وأنت تجد هؤلاء إذا ظهرت حالهم كابروا العقول بزخرف من القول والكذب واستعانوا على إفكهم بأمثالهم محافظة على العلو والفساد.
فلو وفق الإمام بالاهتمام بالدين واختار من كل جنس إتقانهم وأحبهم وأقربهم إلى الخير لقام بهم الدين والعدل. فإذا أشكل كلام الناس رجع إلى قوله: ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما يريبك" فإذا ارتاب من رجل هل كان يحب ما يحبه الله نظر في أولئك القوم وسأل أهل الدين من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين وأولاهم بولاية الدين والدنيا؟ فإذا أرشدوه إلى ما كان يصلح لذلك قدمه فيهم ويتعين عليه أن يسأل عنهم من لا تخفى عنه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها فلو حصل ذلك لثبت الدين وبثباته يثبت الملك وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك ويضعف الدين ويسود القبيلة شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك. فالسعيد من وعظ بغيره وبما جرى له وعليه. وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها فإذا قلعت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم ﵀: ولكن رواسيها وأوتادها هم فأنت إذا فعلت ما قلت لك قام بك الدين والعدل وصارت سنة حسنة في هذا الزمان ونلت أجر من أقام السنة كما في الحديث: "من سن في
[ ١٥٤ ]
الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
فإن انعكس الأمر كما هو الواقع كانت سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
ومن المعلوم أن النفس تميل إلى الراحة وطلب رضى الخلق. وفي النظر فيما يرضى الله مخالفة للخلق أو بغضهم ولكن طريق الجنة حزن بربوة واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ .
فإذا عرفت أن العبد لا يأتيه ما يكره إلا من شرور نفسه وسيئات أعماله وأن نواصي الخلق في قبضة الرب ﵎ وأن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه أفادك القيام بدينه وأخذت في أسباب ذلك والحب فيه والبغض فيه والتقريب له والإبعاد لأجله وجعلت أفعالك تطابق أمره الشرعي الديني وتتحرى مرضاته في كل قول وفعل وتقديم أو تأخير أو غير ذلك فلو صلح تدبير الإمام فيما ولاه الله من الحاضرة أصلح الله البوادي وغيرهم فإن الأعمال حجة لك أو عليك وأنت سالم والسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وأله وصحبه وسلم.١
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١١/٣٢.
[ ١٥٥ ]