بسم الله الرحمن الرحيم
"٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب عبيد بن رشيد سلمه الله تعالى وهداه ووفقه لما يحبه ويرضاه آمين.
سلام عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد وصل الخط وسرنا طيبكم وسلامتكم ونحمد إليكم الله تعالى على ما أسداه من الإنعام وما من به من معرفة دين الإسلام نسأل الله المزيد من ذلك والثبات عليه والاستقامة والمحافظة عليه وذلك فضله وإحسانه تعالى لمن وفقه له وهداه له وما ذكرت من أن بعض الناس يوجب صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظرة غيم أو قتر ويستدل بقوله: في الحديث "فإن غم عليكم فاقدروا له" ويقول إن القدر التضييق مثل قوله تعالى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه وصامه بعض الصحابة:
[ ١٥٧ ]
فالجواب أن هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثلاثة وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستحبابه قال في الإنصاف وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه وعنه لا يجب قال الشيخ هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه ولا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحد من الصحابة انتهى كلام شيخ الإسلام.
قلت ذكر ابن عبد البر وغيره أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه صامه إلا عبد الله بن عمر صامه احتياطا قاله ابن القيم وذكر أن ابن عباس ﵁ أنكر صيامه قال الحافظ محمد بن عبد الهادي ﵀: وقد روي من غير وجه مرفوعا النهي من صوم يوم الشك منهم وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس ونص الإمام أحمد ﵀: في رواية المروذي أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك وهذا القول صحيح بلا ريب قال الحافظ وليس في هذا الحديث الذي استدل به المتأخرون دليل على وجوب الصوم بل هو حجة على عدم الوجوب فإن معنى "اقدورا له" احسبوا له قدره وذلك بثلاثين يوما فهو من قدر الشيء وهو مبلغ ليس من التضييق في شيء والدليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر "فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" أي فأكملوا العدة ثلاثين وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به وصرح في هذه الأحاديث بمعناه وهو إكمال شعبان ثلاثين واستدل الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار وهو رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار بن ياسر وأتي بشاه مصلية فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال عمار: من صام اليوم الذي فيه الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
قلت وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع وقد جاء صريحا في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله ﷺ قال: أو
[ ١٥٨ ]
قال أبو القاسم ﷺ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". قال الحافظ: وهذا الحديث لا يقبل التأويل وذكر أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عائشة رصي الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم من رمضان لرؤيته فإن غم عليه أتم ثلاثين يوما ثم صام ليلته وهذا صريح في أنه ﷺ لم يشرع لأمة صيام الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال ليلته فبهذا وغيره من الأحاديث يظهر أن الحجة مع من أنكر صيام ذلك اليوم إذا غم الهلال ليلته وأن السنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال وهو اختيار شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀: تعالى:
وأما مسألة الفطر للمسافر في رمضان أو الصيام فالذي دلت عليه الأحاديث أن المسافر إذا كان سفره مباحا أنه يخير بين الفطر والصيام فلا ينكر على من صام ولا على من أفطر روى الترمذي عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر وكان يسرد الصوم فقال رسول الله ﷺ "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" قال أبو عيس في حديث عائشة ﵂ هذا حديث حسن صحيح وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره وفيه أحاديث غير هذين الحديثين:
وأما إتمام الصلاة في السفر ففعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين ﵄ وعند الحنابلة أنه إن أتم في سفر جاز ولم يكره وعلى هذا فلا ينكر على من أتم الصلاة والقصر أفضل
لكن قد يحصل مع الغزاة تردد في قصد الولاة بالغزو ولأنه ربما غلب عليهم إرادة الملك والعلو وإرادة الدنيا والثناء والعز فيكون جهاده عليه لا له كما في الحديث أن النبي ﷺ سأله رجل فقال يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة
[ ١٥٩ ]
ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي في سيبل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سيبل الله" وفي حديث أبي هريرة ﵁ في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم جهنم: يقال للمجاهد إنما قاتلت ليقال هوً جريء فقد قيل فيؤمر به إلى النار فليكن منك على بال قال قتادة رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ قال هذا والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر.
وأما إحياء العشر الأواخر من رمضان فهو السنة لما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت كان رسول الله صلى الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله وجد وشد المئزر وفي الحديث الآخر "من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمان واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه" وصح أن النبي ﷺ قام الليل كله حتى السحر إذا عرفت ذلك فلا ينك قيام العشر الأواخر إلا جاهل السنة.
وأما من يوصي بثلث ماله ذرية ضعفاء فقراء فإن كانت الوصية على أعمال البر جاز لمتوليها أن يدفع إليهم من الوصية ما يستعينون به في حاجاتهم وإن كانت الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى لهم به فإن كان على حج غير حجة الإسلام فتصرف على المحتاج من ذريته وكذلك ما كان على أضحية صرفت على فقراء ذريته لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا إليها فلا بد من تنفيذ الوصية ابتداء ثم يكون النظر للمتولي عليها انتهى١.
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل والمسائل ١/٣٢٧.
[ ١٦٠ ]