بسم الله الرحمن الرحيم
"٣١"
من عبد الرحمن بن حسن وإبنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فقد بلغنا من نحو سنتين إشتغالكم ببردة البوصيري وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى من ذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك إلى آخر الأبيات التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله ﷺ النهي عن دعوة الأموات والغائبين بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يستثن أحدا والنبي صلي الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله وقال ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ﴾ فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله وخاطب به نبيه ﷺ ليكون أبلغ للتحذير فكيف يظن بالنبي ﷺ أن الله تعالى ينهاه عن ذلك ويذكر الوعيد عليه ويرضاه أن يفعل ذلك أحد معه أو مع غيره صلوات الله وسلامه عليه ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ودعوة غيره تنافي الإخلاص الذي هو دينه الذي لا يقبل الله دينا سواه وذكر تعالى إختصاصه بالدعاء بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية وأخبر أن دعوة الحق مختصة به وما ليس بحق فهو باطل ولا يحصل به نفع لمن فعله بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله تعالى يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة وكونه ﷺ أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهي الله عنه عباده عموما وخصوصا بل هو
[ ٢٤٢ ]
مأمور أن ينهى عنه ويتبرأ منه كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ وأما اللياذ فهو كالعياذ سواء فالعياذ لدفع الشر واللياذ لجلب الخير وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق.
وأما قوله: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى وقال غير ذلك في منظومته مما يستشبع من الشرك ومدح النبي ﷺ شعراء العرب الفصحاء ولم يقرب أحد منهم حول هذا الحمى الذي هو لله وحده بل مدحوه بالنبوة وما خصه الله به من الفضائل والأخلاق الحميدة مثل حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وأمثال هؤلاء فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق إلا بنظم للشيطان فيه حظ وافر قد أنكره الله ورسوله على من قاله أو فعله وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي وأبيه وأخيه فأقلعوا عنها وتابوا إلى الله منها وتجنبوا الشرك وتبرؤا إلى الله منه ومن أهله وجاهدوا أهله نثرا ونظما وقد نزلت المنزلة التي كانوا عليها في الجاهلية ثم تابوا منها فاصغ سمعك لكتاب الله فإنه يكفيك ويشفيك في كل خير ويعصمك من كل شر اهـ آخر ما وجد من الرسالة والحمد لله١
_________________
(١) ١ المجموعة ٢/٨٢.
[ ٢٤٣ ]