بسم الله الرحمن الرحيم
"٥١"
من عبد الرحمن بن حسن وعلي بن حسن وإبراهيم بن سيف إلى من
[ ٢٧٩ ]
يصل إليه هذا الكتاب من الأخوان رزقنا الله وإياهم الفقه في الدين والإيمان واليقين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد فأنا نوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة والسر والعلانية ونذكركم ما أنعم الله به علينا وعليكم من دين الإسلام الذي رضيه لكم دينا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ وليس الإسلام بمجرد الدعري والتلفظ بالقول وإنما معناه الإنقياد لله بالتوحيد والخضوع والإذعان له بالربوبية والآلهية دون كل ما سواه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية وقال ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الآية وهو الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول ٍإِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وإلاله الذي تألهه القلوب محبة ورجاء وتعظيما وتوكلا واستعانة ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة فالتوحيد هو إفراد الله بالإلهية كما تقدم بيان ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا كما ذكر الله تعالى ذلك عن إمام الحنفاء ﵇ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الآية وقوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ فتأمل كيف ابتدأهم بالبراءة من المشركين وهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله ومدلولها لا بمجرد قوله: باللسان من غير معرفة وإذعان تضمنته كلمة الإخلاص من نفي الشرك وإثبات التوحيد.
[ ٢٨٠ ]
والجاهلون من أشباه المنافقين يقولونها بألسنتهم من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها ولهذا تجد كثيرا ممن يقوله: اباللسان إذا قيل له لا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله أشمأز من هذا القول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال تعالى: لنبيه محمد ﷺ ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ*وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ والحنيف وهو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه وقد قال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِي﴾
وتقديم المعمول يفيد الحصر كما في هذه الآية وأشباهها قال العماد بن كثير ﵀: في معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فيها الرد على المشركين المخالفين لملة إمام الحنفاء فإن جرد توحيد ربه فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه وخالف في ذلك وقومه كما تبرأ من أبيه كما ذكر الله ذلك عنه في قوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا*فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وكيف بادرهم بذكر اعتز لهم أو ثم عطف عليه بإعتزال معبوداتهم كما في سورة الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وهذا هو حقيقة التوحيد وقد ارشد الله نبيه محمد ﷺ والمؤمنين أن يأتموا بخليله في ذلك ويتأسوا به فقال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ولهذا الأصل العظيم الذي هو ملة إبراهيم شرع الله جهاد المشركين فقال ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وفي الحديث "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له" مع هذا حذر الله نبيه ﷺ وعباده المؤمنين من الركون إليهم فقال ﴿وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت َّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا*إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ الآية وأظلم الظلم الشرك بالله كما قال تعالى.
[ ٢٨١ ]
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية ومن المعلوم أن الذين نزلت هذه الآية في التحذير عن نوليهم ليسوا من اليهود ولا من النصارى ولا ريب أن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين البراءة من كل مشرك وإظهار العداوة لهم والبغضاء وحرم على المؤمنين موالتهم وشركهم إنما هو في التأله والعبادة كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ والآية الثانية وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ والآيات في بيان الشرك في العبادة وأنه دين المشركين وما تضمنه القرآن من الرد عليهم وبيان ضلالهم وضياع أعمالهم أكثر من أن تحصر ويكفي اللبيب الموفق لدينه بعض ما ذكرناه من الآيات المحكمات وأما من لم يعرف حقيقة الشرك لإعراضه عن فهم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة فكيف يعرف التوحيد ومن كان كذلك لم يكن من الإسلام في شيء وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم وأما من شرح الله صدره للإسلام وأصغى قلبه إلى ذكر الله من الآيات المحكمات في بيان التوحيد المتضمن لخلع الأنداد التي تعبد من دون الله والبراءة منها ومن عابديها عرف دين المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أومتبوع أو مطاع وكلما ازداد العبد تدبرا لما ذكره الله تعالى في كتابه من أنواع العبادة التي يحبها الله من عبده ويرضاها عرف أن من صرف شيئا منها لغير الله فقد أشرك كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية ويجمع أنواع العبادة تعريفها بأنها كلما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
[ ٢٨٢ ]
إذا فهمتم ذلك وعقلتموه علمتم أن من المصائب في الدين ما يقع اليوم من كثير ممن يدعي الإسلام مع هؤلاء الذين يأتونهم من أهل الشمال وهم يعلمون أن الأوثان التي تعبد وتقصد بأنواع العبادة موجودة في بلادهم وإن الشرك يقع عندهم من الأقوال والأعمال ولا يحصل منهم نفرة ولا كراهة له مثل هؤلاء الذين لا يعرف منهم أنهم عرفوا ما بعث الله به رسوله من توحيد ولا أنكروا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله بل الواقع منهم إكرامهم وإعظامهم بل زوجوهم نساءهم فأي موالاة أعظم من هذا وأي ركون أبين من هذا أين العداوة لهم والبغضاء؟ هل كان ذلك الذي شرع الله وأوجبه على عباده خاصا بأناس كانوا فبانوا والناس بعد أولئك القرون قد صلحوا أم كان الشرك١.٢..
_________________
(١) ١ آخر ما وجد. ٢ الدرر٢/١٢٦.
[ ٢٨٣ ]