أن شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: لما ألهمه الله رشده وفتح بصيرته في تمييز الحق من الضلال وأنكر ما عليه الناس من الشرك فبادروه بالعداوة والإنكار لمخالفتهم ما قد اعتادوه ونشؤا عليه هم وأسلافهم من الشرك والبدع وأعظم من عاداه ونفر الناس عن دعوته العلماء والرؤساء كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وفيه مشابهة لنبينا ﷺ فيما ناله من الرؤساء والأحبار في الابتداء فإن شيخنا رحمه الله تعالى: أظهر هذه الدعوة في بلد العيينة وهي في أعلا وادي حنيفة فاستحسن دعوته من استحسنها وقبلها من قبلها وأنكرها من أنكرها ثم إن أهل الإحساء لما استصرخوا شيخهم سليمان المحمد شيخ بني خالد أرسل إلى ابن معمر شيخ العيينة بأن يقتله فهاجر إلى الدرعية بلد محمد بن سعود فتلقاه هو وأولاده بالقبول وتابعهم على ذلك أكثر أهل بلده وقبيلته على قلة منهم وضعف كما قدمناه فصبروا على مخالفة الناس والملوك ممن حولهم والبعيد عنهم وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ولهذا تحمل هذا
[ ١٥ ]
الرجل وأتباعه عداوة كل من عادى هذا الدين قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقد قال هرقل لأبي سفيان وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه فذكرت أن لا فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب فأشبه أمر هذا الشيخ رحمه الله تعالى: ما جرى لخاتم النبيين حتى في مهاجره وأنصاره وكثيرة من عاداه وناواه في الابتداء كما هوحال الحق في المبادي يرده الكثير وينكرونه ويقبله القليل وينصرونه فأول من عاداهم أقرب الناس إليهم بلدا وأقواه كثيرة ومالا بلاد دهام بن دواس وهو أول من شن الغارة عليهم على غفلة وغرة وعدم الاحتساب منهم فخرجوا إليه على عجل فقتل منهم رجالا منهم فيصل ابن محمد بن سعود وسعود بن محمد بن سعود فسبحان من قوى جأش هذ الرجل على نصرة هذا الدين حين قتل إبناه ثم سطى عليهم مرة ثانية فقتل كثير ممن سطى بهم فأخذ المسلمون الثار منهم ثم بعد ذلك استمر الحرب بينهم وبينه أكثر من ثلاثين سنة وفي تلك الثلاثين سنة أو أكثر أعانه على حربهم أهل نجران وبن حميد شيخ بن خالد مرارا فيأتونهم بأنواع الكيد والكثرة فينصرهم الله عليهم وفي ذلك أعظم عبرة وبعد هذه المدة وقع بينه وبين المسلمين وقعة بين البلدين فقتل فيها أبناءه دواس وسعدون فانتهى أمره فخرج من بلده هاربا في يوم صيف شديد الحر وتبعه من تبعه فصارت بلده فيئا للمسلمين ولم يبق لآل دواس بعد ذلك عين تطرف فاعتبروا يا أولي الأبصار.
[ ١٦ ]