قال الإمام أحمد: «أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمَّة المسلمين وفُقهاءِ الأمصار على أنَّ السنة التي تُوفِّي عليها رسولُ الله ﷺ:
أوَّلها: الرِّضى بقَضاءِ الله والتسليمُ لأمره، والصبرُ تَحت حكمه، والأخذُ بما أمر الله به، والنَّهي عما نهى عنه؛ وإخلاصُ العمل لله، والإيمانُ بالقدر خَيره وشره» (^١).
وقال ابن قتيبة ﵀: «وعَدْل القول في القدر: أن تعلم أن الله عَدْلٌ لا يجور، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنه لا يخرج من قدرته شيءٌ، ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دَيْن لأحدٍ عليه، ولا حقَّ لأحدٍ قبله، فإن أعطى فبفضلٍ، وإن منع فبعدلٍ، وأن
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد (ص: ٢٤٠).
[ ٣٣ ]
العباد يستطيعون ويعملون ويُجزَون بما يكسبون، وأن لله لطيفةً يبتدئ بها من أراد، ويتفضَّل بها على من أحبَّ، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقَّت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله ﷿، وما سوى ذلك مخزونٌ عنه» (^١).
وقال ابن أبي زيدٍ القيروانيُّ ﵀ في وصف عقيدة أهل السنة: «والإيمان بالقدر خيره وشرِّه، حلوه ومرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره الله ربُّنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه.
علم كلَّ شيءٍ قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه وسبق علمه به، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
يضلُّ من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفِّقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره، من شقيٍّ أو سعيدٍ.
تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنىً، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو، ربُّ العباد وربُّ أعمالهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجَّة عليهم» (^٢).
وقال أبو عثمان الصابونيُّ ﵀: «ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد: أنها مخلوقةٌ لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدُّون من أهل الهدى ودين الحقِّ من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء لا حجَّة لمن أضلَّه الله عليه ولا عذر له لديه … ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشرَّ والنفع والضرَّ بقضاء الله وقدره، لا مردَّ
_________________
(١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة (ص: ٣٥ - ٣٦).
(٢) مقدمة أبي زيد القيرواني (ص: ٦ - ٧).
[ ٣٤ ]
لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربُّه … ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم -مع قولهم بأن الخير والشرَّ من الله وبقضائه-: أن لا يُضاف إلى الله ما يتوهَّم منه نقصٌ على الانفراد؛ فلا يُقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والربُّ خالقه … ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ مريدٌ لجميع أعمال العباد، خيرها وشرِّها، لم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ولم يكفر أحدٌ إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمَّةً واحدةً، ولو شاء ألا يُعصى ما خلق إبليس، فكُفْر الكافرين، وإيمان المؤمنين؛ بقضائه ﷾ وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كلَّ ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية» (^١).
وقال الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ ﵀: «وأجمع أئمَّة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشرِّه حلوه ومُرِّه قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيءٌ إلا بإرادته، ولا يجري خيرٌ وشرٌّ إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا، فهو سرٌّ استأثر به، وعلمٌ حجبه عن خلقه، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أصل هذه المسألة أَنْ يعلم الإنسان أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ.
وهو أن الله خالق كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد.
_________________
(١) عقيدة السلف أصحاب الحديث (٣١ - ٢٩).
(٢) عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي (ص: ٧٧).
[ ٣٥ ]
وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيءٌ إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيءٌ شاءه؛ بل هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ، ولا يشاء شيئًا إلا وهو قادرٌ عليه.
وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في هذا أفعال العباد وغيرها.
وقد قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادةٍ وشقاوةٍ.
فهم يؤمنون بخلقه لكلِّ شيءٍ، وقدرته على كلِّ شيءٍ، ومشيئته لكلِّ ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها وكتابته إيَّاها قبل أن تكون» (^١).
وذكر في موطنٍ آخر أنَّ: «السلف والأئمَّة كما أنهم متَّفقون على الإيمان بالقدر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها، وهم متَّفقون على إثبات أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وأنه لا حجَّة لأحدٍ في ترك مأمورٍ ولا فعل محظورٍ؛ فهم أيضًا متَّفقون على أن الله حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين» (^٢).
وقال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كلَّ شيءٍ بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبُّه، فيشاؤه كونًا، ولا يرضاه دينًا» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤٩، ٤٥٠).
(٢) المصدر نفسه (٨/ ٤٦٦).
(٣) شرح الطحاوية (ص: ٢٢٥).
[ ٣٦ ]