الكلام في القدر: كتابةً وتأليفًا، وإرشادًا وتعليمًا، ودعوةً وتوجيهًا؛ يختلف بحسب النيَّة والمقصد الباعثين عليه. فإن أُرِيد به بيان ما شرعه الله لعباده في باب القدر تحقيقًا لصحَّة الاعتقاد وتمام الانقياد لأمر الله بنوعيه الكونيِّ والشرعيِّ؛ فإنه مشروعٌ ممدوحٌ. والكلام فيه داخلٌ في عموم الكلام في مسائل
_________________
(١) الاستذكار (٨/ ٢٦٦).
[ ١٦٥ ]
الشرع سواءً بسواءٍ.
وإن أُرِيد به غير ذلك من المقاصد السيِّئة والإرادات الباطلة؛ فهو محرَّمٌ مذمومٌ. ومن ذلك:
١ - الكلام في القدر للتلبيس والتشكيك في أصل الدين لصرف المسلمين عن دينهم.
كفعل الكفرة والزنادقة والملاحدة بما يلقونه على المسلمين من شبهٍ في باب القدر وغيره قديمًا وحديثًا. قال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]
٢ - الانتصار للبدع والمقالات الباطلة في باب القدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ: مجوسيَّةٍ، ومشركيَّةٍ، وإبليسيَّةٍ» (^١).
ووجه خوضهم في القدر أن جميعهم تكلَّموا في القدر انتصارًا لمذاهبهم الباطلة في القدر، لا طلبًا للحقِّ، فما وافق أهواءهم من النصوص أخذوا به، وما خالفها ردُّوه وتأوَّلوه. وهم على ثلاث مسالك:
أ- المجوسيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على التكذيب بالقدر.
ب- والمشركيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على التكذيب بالشرع.
_________________
(١) التدمرية: (ص: ٢٠٧).
[ ١٦٦ ]
ج- والإبليسيَّة: كان خوضهم في القدر انتصارًا لبدعتهم القائمة على المعارضة بين القدر والشرع.
٣ - الكلام في القدر للجدال والخصومة والتعالم.
فإنه محرَّمٌ، وهو من أنواع الخوض في القدر بالباطل. قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
٤ - الكلام في القدر بقصد الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي.
كما يحصل من بعض العصاة المعاندين. وهذا مما تأثروا فيه بالمشركين الذين أخبر الله عنهم في ذلك بقوله جلَّ وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فمن احتجَّ على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثُر فيمن يدَّعي الحقيقة من المتصوِّفة» (^١).