يعتقد أهل السنَّة أن الإرادة التي يتَّصف بها الله ﵎ تنقسم إلى قسمَين: «إرادة كونيَّة قدريَّة، وإرادة شرعيَّة دِينيَّة».
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «طريقة أئمَّة الفقهاء وأهل الحديث وكثيرٍ من أهل النظر وغيرهم: أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادةٌ تتعلَّق بالأمر، وإرادة تتعلَّق بالخلق … فإرادة الأمر هي المتضمَّنة للمحبَّة والرضى، وهي الإرادة الدينيَّة، والثانية المتعلِّقة بالخلق هي المشيئة، وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة» (^١).
وقال الإمام ابن أبي العزِّ ﵀: «والمحقِّقون من أهل السنَّة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادةٌ كونيَّةٌ خلقيَّةٌ، وإرادةٌ دينيَّةٌ أمريَّةٌ شرعيَّةٌ» (^٢).
وفيما يلي تعريفٌ بكلٍّ منهما:
أوَّلًا: الإرادة الكونيَّة القدريَّة: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، والمتعلِّقة بما قدَّره الله وقضاه. وهي مستلزمة لوقوع المراد، ويُقال فيها:
«ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» (^٣).
ومن الأدلة عليها:
_________________
(١) منهاج السّنة (٣/ ١٥٦)، وانظر: المصدر نفسه (٣/ ١٨٠).
(٢) شرح الطحاوية (ص: ٧٩).
(٣) انظر: منهاج السّنة (٣/ ١٥٦، ١٥٧، ١٨٠)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٨٢).
[ ٧٦ ]
[١] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
[٢] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
[٣] قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
[٤] قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦].
وهذه الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبَّة، بل قد يكون بها ما يحبَّه الله ويرضاه، وقد يكون بها ما لا يحبُّه ولا يرضاه؛ كما خلق إبليس وهو لا يحبُّه، وخلق المؤمن وهو يحبُّه، وكذلك قد يخلق ما لا يأمر به كمعصية العاصي، أو ما أمر به كطاعة المؤمن، وقد يأمر بما لم يشأ أن يخلقه؛ كالطاعة في حق مَنْ لم يوفِّقه إليها، أو ما يشاء أن يخلقه؛ كطاعة مَنْ يوفقه للطاعة (^١).
ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة: وهي متعلِّقةٌ بالأمر الذي أراد الله من عبده فعله، وهي متضمِّنةٌ للمحبَّة والرضى، ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة (^٢).
ومن الأدلَّة عليها:
[١] قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
[٢] قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
_________________
(١) انظر: منهاج السّنة (٣/ ١٨٢ - ١٨٧)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٨)، وشرح الطّحاوية (ص: ٨٢ - ٨٣)، وكتاب القضاء والقدر للبيهقي (مقدّمة المحقِّق محمّد بن عبد الله آل عامر) (ص: ٧٢).
(٢) انظر: منهاج السّنة (٣/ ١٥٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٨٨).
[ ٧٧ ]
[٣] قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وهذه الإرادة تستلزم الأمر.
قال ابن القيِّم: «والصواب: أن الأمر يستلزم الإرادة الدِّينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا؛ كإيمان مَنْ أمره ولم يوفِّقه للإيمان» (^١).