يعتقد أهل السنة أن الهداية والإضلال من الله تعالى، يهدي مَنْ يشاء برحمته، ويضلُّ مَنْ يشاء بعدله. وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه (^١).
وقد دلَّت على هذا الأدلة من الكتاب والسنة:
[١] قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].
[٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
[٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].
[٤] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
[٥] وفي الحديث القدسيِّ من حديث أبي ذرٍّ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه: «يا عبادي، إني حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّمًا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديتُهُ، فاستهدونِي أهْدِكُمْ …» (^٢).
[٦] وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إنِّي أسألك الهدى والتُّقَى والعفاف والغِنَى» (^٣).
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٢١).
[ ٦٤ ]
وبذلك جاءت الآثار عن السلف وأقوال الأئمَّة من بعدهم:
أخرج الفريابِيُّ في (كتاب القدر) بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الزبير ﵁ أنه كان يقول في خطبته: «إن الله هو الهادي والفاتن» (^١).
وفي السنَّة للخلَّال عن أبي بكرٍ المرُّوذيِّ ﵀ قال: «قلتُ لأبِي عبد الله: يقول الرجل: إن الله جبر العباد؟ فقال: هكذا لا تقُل، وأنكر، وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]» (^٢).
وقال الطحاويُّ ﵀: «يهدي مَنْ يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضلُّ مَنْ يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا» (^٣).
قال ابن القيِّم ﵀: «وقد اتَّفقت رسل الله مِنْ أوَّلهم إلى آخرهم وكتبه المُنَزَّلة عليهم على أنه سبحانه يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه» (^٤).
ومما ينبغي أن يُعلَم ويُعتقَد:
أن هداية الله تعالى للخلق وإضلاله لبعضهم بحكمة الله وعدله لا ظلم في ذلك.
وقد ينقدح في أذهان بعض أهل الجهل أن في عدم هداية الله لبعض الخلق
_________________
(١) أخرجه الفريابي في القدر (ص: ١٨٩)، وقال محقِّقه: إسناد صحيحٌ.
(٢) السّنة (١/ ٥٥٠) برقم: (٩٢٠)، وقال المحقِّق: إسناد صحيح.
(٣) العقيدة الطّحاوية مع شرحها (ص: ١٣٧).
(٤) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).
[ ٦٥ ]
ظلمًا؛ إذ كيف يمنعهم الهداية ويعاقبهم يوم القيامة؟
وقد أجاب عن هذا الاستشكال الأئمَّة المحقِّقون -جزاهم الله عن الإسلام وأهله أعظم الجزاء-.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «إن ما يُبتلى به العبد من الذنوب الوجودية -وإن كانت خلقًا لله- فهو عقوبةٌ له على عدم فعله ما خلقه الله له وفطره عليه؛ فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له، ودلَّه على الفطرة، كما قال النَّبِيُّ ﷺ: «كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة» (^١)، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، فهو لما لم يفعل ما خُلِق له، وما فُطِر عليه، وما أُمِر به -من معرفة الله وحده وعبادته وحده- عُوقِب على ذلك بأن زيَّن له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي.
فإذا أخلص العبد لربِّه كان هذا مانعًا من فعل ضدِّ ذلك، ومن إيقاع الشيطان له في ضدِّ ذلك، وإن لم يخلص لربه الدِّين ولم يفعل ما خُلِق له وفُطِر عليه عُوقِب على ذلك، وكان من عقابه تسلُّط الشيطان عليه حتى يزيِّن له فعل السيِّئات، وكان إلهامه لفجوره عقوبةً له على كونه لم يتَّق الله، وعدم فعله للحسنات ليس أمرًا وجوديًّا حتى يُقال: إن الله خلقه، بل هو أمرٌ عدمِيٌّ، لكن يُعاقَب عليه؛ لكونه عدم ما خُلِق له وما أُمِر به، وهذا يتضمَّن العقوبة على أمرٍ عدمِيٍّ، لكن بفعل السيِّئات لا بالعقوبات التي يستحقُّها بعد إقامة الحجَّة عليه بالنار ونحوها» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٣١ - ٣٣٣).
[ ٦٦ ]
وقال ابن القيِّم ﵀: «قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ فهداهم هدى البيان والدلالة؛ فلم يهتدوا؛ فأضلَّهم عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أوَّلًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه، وهذا شأنه سبحانه في كلِّ مَنْ أنعم عليه بنعمةٍ فكفرها؛ فإنه يسلبه إيَّاها بعد أن كانت نصيبه وحظه» (^١).
وقال ﵀: «والله سبحانه ماضٍ في العبد حكمه، عدلٌ في عبده قضاؤه، فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبَّته وذكره وشكره فأبى العبد الا إعراضًا وكفرًا؛ قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصدَّه عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، وذلك عدلٌ منه فيه» (^٢).
فظهر بهذا أن الهداية فضلٌ من الله، والإضلال عدلٌ، ولهذا شرع الله لنا سؤاله هذه الهداية.
قال ابن القيِّم ﵀: «وأمر سبحانه عباده كلَّهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كلَّ يومٍ وليلةٍ في الصلوات الخمس» (^٣).
كما أن مِنْ الوجوه التي تُرَدُّ بها الشبهة السابقة: أن هداية الله لمن شاء من خلقه مِنْ باب التوفيق، وإضلاله لمن شاء من باب الخذلان، والتوفيق إعانة الله للعبد، والخذلان ترك الإعانة، فلا يُتصوَّر مع هذا الظلم.
قال ابن القيِّم ﵀: «وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٢٦٤).
(٢) المصدر نفسه (١/ ٢٧٩).
(٣) المصدر نفسه (١/ ٢٦٨).
[ ٦٧ ]