وهي القول بقدرة العبد على فعله قدرة تامة، وإنكار مراتب القدر كلها كما هو قول أوائلهم وغلاتهم، أو إنكار المشيئة والخلق كما هو قول متأخريهم.
وأوَّل ظهور مقالة القدريَّة في أواخر عصر الصحابة ﵃ في خلافة عبد الملك بن مروان (^١).
وكان أوَّل ما ظهرت مقالة القدريَّة في البصرة على يد معبد الجهنيِّ.
على ما أخرج الإمام مسلم، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أوَّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهنيُّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَريُّ حاجَّين -أو معتمرين-، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطَّاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن، ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، قال: «فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحدٍ
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٢٣١)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٣٦).
[ ٢١ ]
ذهبًا، فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر» (^١).
وقيل: إن أول من أحدث الكلام في القدر رجلٌ نصرانيٌّ يسمَّى (سنسويه) أو (سوسن).
قال ابن عونٍ: «أدركت الناس وما يتكلَّمون إلا في عليٍّ وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقيرٌ، يُقال له: سنسويه البقَّال» قال: «فكان أوَّل من تكلَّم في القدر» (^٢).
والذي يظهر أن (سنسويه) -أو (سوسن) - هو أوَّل من أحدث مقالة القدر، ثم تلقَّاها عنه معبد الجهنيُّ، فأظهرها فاشتهرت عنه، ثم تلقَّاها عن معبدٍ غيلان الدمشقيُّ.
على ما أخرج الآجريُّ وغيره، عن الإمام الأوزاعيِّ، أنه قال: «أوَّل من نطق بالقدر: رجلٌ من أهل العراق، يُقال له: سوسن، وكان نصرانيًّا فأسلم، ثم تنصَّر، فأخذ عنه معبد الجهنيُّ، وأخذ غيلان عن معبدٍ» (^٣).
وروى الفريابيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عونٍ، أنه التقى بأبي نعامة العدويِّ، وكان أكبر من ابن عونٍ، فقال له ابن عونٍ: يا أبا نعامة، متى تكلَّم الناس في القدر؟ قال: «إنما تكلَّموا فيه حيث تكلم سنسويه، وتابعه معبد الجهنيُّ» (^٤).
كما روى الفريابيُّ أيضًا عن ابن عونٍ أنه قال: «أمران أدركت الناس وليس فيهم منها شيءٌ: كلام هذه المعتزلة، والقدريَّة، وكان أوَّل من تكلَّم في القدر سنسويه بن يونس الأسواريُّ، وكان حقيرًا صغير الشأن، ثم تكلَّم معبدٌ، وتكلَّم
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٨).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٨٢٦).
(٣) أخرجه الآجري (٢/ ٩٥٩)، وابن بطة (٤/ ٢٩٨)، واللالكائي (٤/ ٨٢٧).
(٤) أخرجه الفريابي (ص: ٢٠٥). وقال المحقق: «إسناده صحيح».
[ ٢٢ ]
رجلٌ من أهل كذا في المسجد» (^١).
فكان لهؤلاء الثلاثة الأثر البالغ في ظهور مقالة القدر في الإسلام:
أما سنسويه: فهو أوَّل من أحدثها، وهو رجلٌ نصرانيٌّ ادعى الإسلام، واسمه سنسويه بن يونس الأسواريُّ، كما تقدم في الروايات السابقة.
وذكر البخاريُّ أنه «كان مجوسيًّا فادَّعى الإسلام» (^٢).
وقد تقدَّم وصف ابن عونٍ له بقوله: «كان حقيرًا صغير الشأن» (^٣).
قال حمَّاد بن زيدٍ: «ما ظنُّكم برجلٍ يقول له ابن عونٍ: هو حقيرٌ؟!» (^٤).
ونقل البخاريُّ عن الحسن في القدريَّة، أنه قال: «أهلكتهم العجمة» (^٥).
وأما معبد الجهنيُّ: فهو الذي أظهرها وشهرها وعُرِف بها. وقد أخذ مقالته في القدر عن سنسويه -كما تقدَّم-.
وقد كانت لمعبدٍ عبادةٌ، وفيه زهادةٌ، وبسبب ذلك راجت بدعته، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبةً عظيمةً بأنواع العذاب، ثم قتله.
وقيل: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق، ثم قتله، وهو الأقرب (^٦).
وأما غيلان: فهو غيلان بن مسلمٍ القبطيُّ الدمشقيُّ، صاحب معبدٍ، وهو
_________________
(١) أخرجه الفريابي (ص: ٢٢٦). وقال المحقق: «إسناده جيد».
(٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ٧٥).
(٣) تقدم تخريجه ص (٢٥).
(٤) أخرجه اللالكائي (٤/ ٨٢٦).
(٥) خلق أفعال العباد (ص: ٧٥).
(٦) انظر البداية والنهاية (٩/ ٣٤).
[ ٢٣ ]
الذي دعا إلى القدر وأظهره وناظر فيه، وكان ذا عبادةٍ وتألُّهٍ وفصاحةٍ وبلاغةٍ (^١).
وظهر أمره في خلافة عمر بن عبد العزيز، فاستتابه عمر، فقال: لقد كنت ضالًّا فهديتني، فقال له عمر: اللهمَّ إن كان صادقًا، وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه، ثم قال: أمِّن يا غيلان، فأمَّن على دعائه (^٢).
ثم عاد لمقالته بعد ذلك، وناظره الأوزاعيُّ في خلافة هشام بن عبد الملك، بحضرة الخليفة، فانقطع غيلان ولم يتب، فأفتى الأوزاعيُّ بقتله، وأقرَّه على ذلك العلماء، فأمر به هشام بن عبد الملك فقُطِعت أربعته، وصُلِب بباب دمشق، وكانوا يرون أن ذلك بدعوة عمر بن عبد العزيز عليه (^٣).
وللقدريَّة مقالتان:
المقالة الأولى: إنكار علم الله السابق بأعمال العباد، وكتابته، ومشيئته وخلقه لها، ودعوى أنه أَمَر ونَهَى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أُنُفٌ: أي مستأنَفٌ (^٤).
وهذه مقالة القدريَّة الأوائل المتقدِّم ذكرهم، وقد أنكر بدعتهم من أدركها من الصحابة، كابن عبَّاسٍ، وابن عمر، وأنس بن مالكٍ، وجابر بن عبد الله ﵃، واشتدَّ إنكارهم عليهم، وتبرَّؤوا منهم ومن بدعتهم (^٥).
_________________
(١) انظر: المعارف لابن قتيبة (١/ ٤٨٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٧/ ٤٤١).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام (٧/ ٤٤١).
(٣) انظر: المعارف لابن قتيبة (١/ ٤٨٤)، وتاريخ الإسلام (٧/ ٤٤١)، ولسان الميزان (٤/ ٤٢٤).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٠)، وشفاء العليل (٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦).
(٥) انظر الروايات عنهم في ذلك في صحيح مسلم ح (٨)، والقدر للفريابي (ص: ١٧٥ - ١٩٢)، والشريعة للآجري (٢/ ٨٠١ - ٨١٠).
[ ٢٤ ]
بل نقل شيخ الإسلام ابن تيميَّة والإمام ابن القيِّم اتِّفاق السلف على كفرهم (^١).
وأصحاب هذا القول قد انقرضوا، ولم يبق في الأمَّة من يقول بقولهم، كما قرَّر هذا جمعٌ من العلماء، كالقرطبيِّ والنوويِّ وابن حجرٍ والسفَّارينيِّ (^٢).
المقالة الثانية: الإقرار بعلم الله السابق، وكتابته السابقة لأعمال العباد، وإنكار عموم مشيئته وخلقه لها، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره، فما شاءه فقد أمر به وما لم يشأه لم يأمر به.
وهؤلاء هم الذين تبنَّى المعتزلة مذهبهم، وانتصروا له، وانتشر على أيديهم، فنُسِبوا إليهم؛ فقيل: المعتزلة القدريَّة (^٣).
وأصحاب هذه المقالة على ضلالهم وانحرافهم هم دون الطائفة الأولى؛ ولهذا لم يكفِّرهم الأئمَّة بمقالتهم، بل بدَّعوهم وضلَّلوهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما هؤلاء؛ فهم مبتدعون ضالُّون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك؛ وفي هؤلاء خلقٌ كثيرٌ من العلماء والعبَّاد كتب عنهم العلم» (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥) وشفاء العليل (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٤)، وفتح الباري (١/ ١١٩)، ولوامع الأنوار (٢/ ٧٨).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٢٢٨)، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني (١/ ٦٩)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥) (٨/ ٤٥٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥).
[ ٢٥ ]