والشبه المتعلقة بهذه المسألة وهي: أن (الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل)؛ كثيرة وليست مقتصرة على الجبرية والقدرية، بل اشتبهت هذه المسألة على كثيرٍ من الناس، ومن أبرز الشبه فيها ما يأتي:
الشبهة الأولى: قول مَنْ يقول: إذا كانت الأمور مقدَّرةً فِي القِدَم، وأن أقوامًا خُصُّوا بالسعادة وأقوامًا بالشقاوة، والسعيد لا يشقى والشقيَّ لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة؛ فلا وجه لإتعاب النفس فِي عملٍ ولا نكفُّها عَنْ ملذوذٍ؛ لأن المكتوب فِي القدر واقعٌ لا محالة.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٧١)، (٨/ ٥٢٠)، (١٤/ ١٠)، ومدارج السالكين (١/ ١٠٢).
[ ١٥١ ]
والجواب عَنْ هذه الشبهة أن يُقال لهم: هَذَا ردٌّ لجميع الشرائع، وإبطالٌ لجميع أحكام الكتب، ويترتَّب على هذا لوازم باطلةٌ. فإذا أمر الله في القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فلقائلٍ أن يقول: لماذا أصلِّي وأزكِّي؟ إن كنت سعيدًا فمصيري إِلَى السعادة، وإن كنت شقيًّا فمصيري إِلَى الشقاوة، وإذا نهى الله عن الزنى والربا؛ يَقُول القائل: لماذا أمنع نفسي ملذوذها، والسعادة والشقاوة مقضيَّتان قد فُرِغ منهما؟ وكان لفرعون أن يخاطب موسى لما أمره بالإيمان بمثل ذلك. ثم يفضي الأمر إِلَى منازعة الخالق، فيقول قائلٌ: مَا فائدة إرسالك الرسل، وسيجري مَا قدَّرتَه على العباد؟
بل يلزم من ترك العمل بالشرع اعتمادًا على القدر أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب، فإن كان الله قضى بالشبع والريِّ حصل، ولافائدة في الأكل والشرب. وغيرها من اللوازم الباطلة.
ولهذا أجاب الرسول ﷺ أصحابه حين قالوا: ألا نتَّكل؟ فقال: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له». فبيّن أن للآدميِّ كسبًا هو اختياره، فعليه يقع الثواب والعقاب، فَإِذَا خالف تبيَّن لنا أن اللَّه ﷿ قضى فِي السابق بأن يخالفه، وإنما يعاقبه عَلَى خلافه لا عَلَى قضائه (^١).
الشبهة الثانية: شبهة مَنْ يرون شهود (الحقيقة الكونيَّة) دون (الدينيَّة)، وأن العارفين أهل التوحيد هم الذين فنوا في توحيد الربوبيَّة بشهود هذه الحقيقة فسقط عنهم الأمر والنهي، ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونيَّة (^٢).
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص: ٣٢١)، مجموع الفتاوى (٨/ ٢٨٤).
(٢) العبودية (ص: ٦٤).
[ ١٥٢ ]
ويعنون بشهود الحقيقة الكونيَّة: التسوية بين الموجودات. ويدَّعون أن وجود الخالق فاض عليهم، فأصبح وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق، وبالتالي زالت الفوارق عند العارف، فلا يفرِّق بين خالقٍ ومخلوقٍ، وعبدٍ ومعبودٍ، وبارٍّ وفاجرٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، وخيرٍ وشرٍّ (^١).
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود: كابن عربيٍّ، وابن سبعين، وأمثالهما من الملاحدة والزنادقة.
والجواب عن ذلك:
أن قول هؤلاء كفرٌ صريحٌ وتكذيبٌ للشريعة بأسرها، وهو أشدُّ من كفر اليهود والنصارى وعامَّة المشركين، والأدلَّة كلُّها شاهدةٌ بكفر هؤلاء وضلالهم وفساد قولهم ومصادمته للنصوص والعقل والفطرة السليمة.
قال ابن القيِّم: «هذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتِّحاديَّة، ويعدُّون مَنْ لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقةٌ كفريَّةٌ اتِّحاديَّةٌ، وهي مع ذلك خيالٌ فاسدٌ، وعقلٌ منكوسٌ، وذوقٌ من عينٍ منتنةٍ، وكفر أهلها أعظم من كفر كلِّ أُمَّةٍ؛ فإنهم جحدوا الصانع حقًّا، وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كلِّ موجودٍ، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسوَّوا بينه وبين غيره في العبادة مقالتهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كلِّ موجودٍ وعين كلِّ شيءٍ، تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا» (^٢).
وأصحاب هذه الحقيقة مع ادِّعائهم المعرفة وشهود الحقيقة الكونيَّة فهم أجهل الناس وأقلُّهم معرفةً وعلمًا.
_________________
(١) انظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٣٦)، مدارج السالكين (١/ ١٨٠).
(٢) طريق الهجرتين (ص: ٣٤٨)
[ ١٥٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ في الردِّ عليهم: «وهذا ليس بشهودٍ للحقيقة لا الكونيَّة ولا الدينيَّة، بل هو ضلالٌ وعمىً عن شهود الحقيقة الكونيَّة؛ حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا كلَّ وصفٍ مذمومٍ وممدوحٍ نعتًا للخالق وللمخلوق؛ إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم» (^١).
وحالهم كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فهم أجهل الناس بالحقيقة الكونيَّة والشرعيَّة.
أما الحقيقة الكونيَّة فهم أضلُّ الناس عنها، وعامَّة المشركين والكفرة أعلم بها منهم؛ فإن أعظم الحقائق الكونيَّة التي يعلمها العقلاء بعقولهم ويشهدها الناس بحواسِّهم وفِطَرهم التباينُ العظيم بين المخلوقات في الوجود والأسماء والصفات والأفعال، وهؤلاء ينكرون هذا التباين ويجعلون الوجود واحدًا، بل لا يفرِّقون بين ربٍّ ومربوبٍ وخالقٍ ومخلوقٍ وعابدٍ ومعبودٍ، فهذا غاية الجهل والحمق والسفه، وليس فوق هذا الجهل جهلٌ بالكون والوجود.
وكذلك هم أجهل الناس بالحقيقة الشرعيَّة؛ فلا يفرِّقون بين إيمانٍ وكفرٍ وتوحيدٍ وشركٍ وطاعةٍ وفسقٍ، بل يجعلون الانسلاخ من الدين غاية الفناء في العبادة، ويزعمون أن فرعون بادِّعائه الربوبيَّة أعظم الموحِّدين الذين شهدوا الحقيقة الكونيَّة.
وقول هؤلاء مما لا يُتَكَلَّف بالتفصيل في ردِّه؛ لمعارضته لعامَّة الأدلَّة، وهو متضمِّنٌ للتكذيب بالدين كلِّه بل بعامَّة الشرائع التي نزلت بها الكتب من الله وما كان عليه الأنبياء والرسل وسائر المؤمنين الموحِّدين السابقين واللاحقين.
الشبهة الثالثة: شبهة بعض المتصوِّفة ومَن وافقهم، ودعواهم: أن من التسليم
_________________
(١) العبودية (ص: ٦٠).
[ ١٥٤ ]
للقدر الاستسلام لكلِّ ما يُقَدَّر على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما قُدِّر عليه، ولا يدفع شيئًا من المكروه، حتى يقول قائلهم: «إن العارف لا حظَّ له! أو إنه يصير كالميِّت بين يدي الغاسل!»، حتى ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جارٍ بمشيئة الله وقضائه وقدره داخلٌ في حكم ربوبيَّته ومقتضى مشيئته، فيظنُّون الاستسلام لذلك وموافقته والرضى به ونحو ذلك دينًا وطريقًا وعبادةً، فيضاهئون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] (^١).
والجواب عن ذلك:
أن كلامهم هذا باطلٌ مخالفٌ للنصوص وما عليه الأنبياء والرسل وسلف الأمَّة الصالح. لكن في كلامهم إجمالٌ لا بدَّ من التفصيل فيه ليزول الاشتباه.
فيُقال: إن التسليم لأمر الله فيه تفصيلٌ: فالأمر على نوعين: أمرٌ شرعيٌّ دينيٌّ، وأمرٌ كونيٌّ قدريٌّ.
أما الأمر الشرعيُّ الدينيُّ؛ فهذا يجب التسليم له بالقلب والانقياد له بالجوارح، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأمر الله بتحكيم الرسول ﷺ، وهذا انقيادٌ لحكم الشرع بالجوارح، وأمر بالتسليم لحكمه، وهذا استسلام القلب للشرع، ونفى الإيمان عمن لم يحقِّق ذلك، فدلَّ على وجوب التسليم والانقياد للشرع.
_________________
(١) انظر: العبودية (ص: ٥٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١١٧).
[ ١٥٥ ]
وأما الأمر الكونيُّ؛ فعلى قسمين (^١):
أ- الأمر الكونيُّ الذي قد وقع واستقرَّ ولا حيلة في دفعه بسببٍ من العبد -كموت القريب، واحتراق البيت-؛ فهذا يجب التسليم فيه لأمر الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧].
ب- القدر الذي وقع واستقرَّ وجعل الله للعبد سببًا لرفعه، كالمرض جعل الله سببًا لرفعه بالتداوي، والعطش جعل الله سببًا لرفعه بشرب الماء، والجوع جعل الله سببًا لرفعه بالأكل، وكذا الذنب إذا وقع جعل الله سببًا لرفع عقوبته بالتوبة وإتباع السيِّئة الحسنة والاستغفار وغيرها من أسباب تكفير الذنوب. فيؤمن العبد بأن كلَّ هذا بقدرٍ، لكن ما أُمِر بالتسليم له بأن لا يسعى في دفع المكروه في الدين والدنيا، بل أُمِر ببذل السبب في رفع القدر بالأسباب التي جعلها الله سببًا لرفعه، فإن ارتفع وإلا سلَّم ورضي، كما قال النبيُّ ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ؛ فلا تقل: «لو أني فعلت كان كذا وكذا»، ولكن قل: «قدر الله وما شاء فعل»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (^٢).
وكذلك أُمِر العبد بتوقِّي وقوع القدر المكروه قبل وقوعه ببذل الأسباب في دفعه بالدعاء؛ فإنه ينفع فيما نزل وما لم ينزل، وكذا بتعاطي الأسباب في دفع المضارِّ، كما جاء عن عمر لما خرج بمن معه من الصحابة يريد دخول الشأم، فأُخبِر بأن الوباء قد وقع بأرض الشأم، فأمر الناس بالرجوع، قال أبو
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
[ ١٥٦ ]
عبيدة بن الجرَّاح: «أفرارًا من قدر الله؟»، فقال عمر: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله» (^١).
فتبيَّن بطلان قول هؤلاء، خاصَّةً قولهم بالتسليم لما يُقدَّر على العبد من الذنوب؛ فإن العبد ما شُرِع له التسليم لذلك، بل شُرِع له التوبة والاستغفار والندم على الذنب والفرار من الذنب إلى التوبة والإنابة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٤]. والأدلَّة في التوجيه لهذا كثيرةٌ من نصوص الكتاب والسنَّة. وكذلك في الإخبار عن الأنبياء والرسل والصالحين الذين بادروا بالتوبة والاستغفار ولم يقولوا بالتسليم للقدر والرضى بذلك على طريقة هؤلاء المتصوِّفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٢٩).
[ ١٥٧ ]