أثبتوا هداية الإرشاد فقط، وأنكروا هداية التوفيق، والإضلال. وقالوا: إن العبد يهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه، والله لا يهدى أحدًا ولا يُضِلُّ أحدًا، بل قالوا: إن الله لا يقدر أن يهدي ضالًّا، ولا يُضِلَّ مهتديًا، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك.
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٦).
(٢) انظر: المصدر نفسه (١/ ٢٧٦).
[ ٧٠ ]
وتأوَّلوا الهداية المضافة لله في النصوص بهداية الإرشاد، أو تسميته المهتدي مهتديًا، وتأوَّلوا الإضلال بتسميته الضالَّ ضالًّا (^١).
قال البغداديُّ: «وهذا خلاف قول القدريَّة في دعواها أن الهداية من الله تعالى على معنى الإرشاد والدعاء إلى الحق، وليس إليه من هداية القلوب شيءٌ، وزعموا أن الإضلال منه على وجهين، أحدهما: التسمية، بأن يسمِّي الضلَّال ضلَّالًا. والثاني: على معنى جزاء أهل الضلال على ضلالتهم» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ، وخصَّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالمًا» (^٣).
وقال ابن القيِّم في سياق حديثه عن الهداية والإضلال: «وهذا أمرٌ متَّفقٌ عليه بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وعليه اتَّفقت الكتب الإلهيَّة ودلت عليه أدلة الفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمَّة؛ فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين -وهي أشرف ما في العالم- عن ربوبيَّته وتكوينه ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقون لها، ولا تعلُّق لها بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختياريَّة.
فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا، ولا يقدر أن
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق (ص: ٣٣٠)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٧٣)، الفتاوى الكبرى (١/ ٧٧)، شفاء العليل (١/ ٢٧٢).
(٢) الفرق بين الفرق (ص: ٣٣٠).
(٣) الفتاوى الكبرى (١/ ٧٧)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٨).
[ ٧١ ]
يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلِّي مصلِّيًا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا بجعله تعالى.
وقد نادى القرآن بل الكتب السماويَّة كلُّها والسنَّة وأدلَّة التوحيد والمعقول على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنَّف حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الردِّ عليهم، وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله» (^١).
وقال ابن أبي العزِّ: «قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًّا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، وهذا مبنِيٌّ على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم» (^٢).
الرد عليهم:
وقولهم هذا باطلٌ، وهو متفرِّعٌ عن أصلهم الباطل في دعواهم أن أفعال العباد لا تدخل تحت تقدير الله ولا مشيئته ولا خلقه، وأن العبد مستقلٌّ بفعله وله قدرةٌ تامَّةٌ عليه. وبناء على هذا قرَّروا هنا أن العبد مستقلٌّ بهدايته وضلاله، والله لا يهدي ولا يضلٌّ أحدًا، بل لا قدرة له على ذلك. وقد تقدَّم الردُّ عليهم في ذلك في مبحث أفعال العباد بما أغنى عن إعادته هنا.
وأما تأويلهم الهداية والإضلال بما تقدم؛ فقد أجاب عن ذلك العلماء:
قال البغداديُّ بعد حكاية قولهم في تأولهم الهداية والإضلال -على ما تقدم نقله-: «ولو صحَّ ما قالوا؛ لوجب أن يُقال: إنه أضلَّ الكافرين؛ لأنه
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٩٣).
(٢) شرح الطحاوية (ص: ١٣٧).
[ ٧٢ ]
سمَّاهم ضالِّين، ولوجب أن يُقال: إن إبليس أضلَّ الأنبياء والمؤمنين؛ لأنه سمَّاهم ضالِّين، ولزمهم أن يكون من أقام الحدود على الزناة والسارقين والمرتدِّين مضلًّا لهم؛ لأنه قد جازاهم على ضلالتهم، وهذا فاسدٌ، فما يؤدِّي إليه مثله» (^١).
وقال ابن القيِّم ﵀: «والقدريَّة تردُّ هذا كلَّه إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن، وتتأوَّله على غير تأويله، بل تتأوَّله بما يُقطَع ببطلانه وعدم إرادة المتكلِّم له، كقول بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبدَ مهتديًا وضالًّا، فجعلوا هداه وإضلاله مجرَّد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يُعلَم قطعًا أنه لا يصحُّ حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأمَّلتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه ألبتَّة.
وليس في لغة أمَّةٍ من الأمم فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها (هداه) بمعنَى: سمَّاه مهتديًا، و(أضلَّه) سمَّاه ضالًّا، وهل يصحُّ أن يُقال: (علَّمه) إذا سمَّاه عالمًا، و(فهَّمه) إذا سمَّاه (فَهِمًا)؟!» (^٢).
وقال ﵀: «وتأوَّل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب؛ فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة!!
وهذا التأويل من أبطل الباطل؛ فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين: قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعباد؛ فقال في القسم المقدور للبشر: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال في غير
_________________
(١) الفرق بين الفرق (ص: ٣٣٠).
(٢) شفاء العليل (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ٧٣ ]
المقدور للبشر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]» (^١).