قالوا: إن الله أكره العباد وأجبرهم على أعمالهم، فليس لهم فعلٌ، ولا إرادةٌ، ولا اختيارٌ، ولا كسبٌ ألبتَّة، وحال بينهم وبين الهدى ابتداءً من غير ذنبٍ ولا سببٍ من العبد يقتضي ذلك، فلم يُيَسِّر إليه سبيلًا ولا أعطاه عليه قدرةً، ولا مكَّنه منه بوجهٍ. وزاد بعضهم: بل أحبَّ له الضلال والكفر والمعاصي ورضيه منه (^٢).
الرد عليهم:
وقولهم هذا مركَّب من ضلالتين:
أُولاهما: (دعوى الجبر -أي: أن الله جبر العباد على أعمالهم-)، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في ذلك في مبحث أفعال العباد بما ظهر به الحقُّ وبطلان دعواهم.
والثانية: دعواهم أن الله حال بينهم وبين الهداية، وهذا كذبٌ على الله وافتراءٌ عظيمٌ مخالفٌ لما دلَّت عليه النصوص، وقد تقدَّم في النصوص أن الله هدى كلَّ من خاطبهم بالشرع هداية الإرشاد بإرسال الرسل، فقامت عليهم بذلك الحجَّة الرساليَّة، وأما هداية التوفيق فهي فضلٌ من الله كما تقدم، والله يهدي من بذل الأسباب في تحصيلها، كما قال تعالى في الحديث القدسيِّ: «يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديته، فاستهدونِي أهدكم …» الحديث (^٣).
وقد هدى الله هذه الهداية من علم الله أنه أهلٌ لها وبذل الأسباب في تحقيقها. وأما من لم يبذل الأسباب في طلبها ويسع في تحقيقها؛ فقد يُعاقَب
_________________
(١) المصدر نفسه (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).
[ ٧٤ ]
بحرمانها بعدل الله.
قال ابن القيِّم: «فإن قيل: كيف تقوم حجَّته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟
قيل: حجَّته قائمةٌ عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومَن حال بينه وبينها منهم بزوال عقلٍ أو صِغَرٍ لا تمييز معه أو كونه بناحيةٍ من الأرض لم تبلغه دعوة رسله؛ فإنه لا يعذِّبه حتى يقيم عليه حجَّته، فلم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه.
نعم، قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدورٌ لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه؛ فهذا غير مقدورٍ لهم، وهو الذي مُنِعوه وحِيل بينهم وبينه. فتأمَّل هذا الموضع واعرف قدره، والله المستعان» (^١).
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
[ ٧٥ ]