أثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية، وقالوا: إن الكفر والمعاصي مرادة لله تعالى ومحبوبة له وقد جبرهم عليها لا خيار لهم في تركها.
وقالوا: إن الأمر لا يستلزم الإرادة، ولهذا لم يأمر الله بالكفر وأراده (^٢).
الرد على القدرية والجبرية وبيان شبهتهما:
شبهة الفريقين هي عدم التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية، وتسويتهم بينهما، وظنُّهم أن الإرادة والمشيئة مترادفتان، وأنهما مستلزمتان للمحبَّة والرضى.
فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها.
وذهب الجبريَّة إلى أن الله يحبُّ الكفر والمعاصي؛ لأنه شاءها وقدَّرها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنًى واحدٍ، ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه؛ فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ، وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك، فهو يحبُّه ويرضاه» (^٣).
فضَلَّ القدريَّة المعتزلة في دعواهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء.
وضَلَّ الجبريَّة الجهميَّة في دعواهم أن الكفر والمعاصي محبوبةٌ لله مرضيَّةٌ.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٢١)، (٨/ ٩٩ - ١٠٠)، ومنهاج السّنة (٣/ ١٨٠ - ١٨٢)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٤، ٤٧٥).
[ ٨٠ ]
والقدريَّة مصيبون في أن الله لا يحبُّ الكفر والمعاصي، والجبريَّة مصيبون في أن الله قدَّرها وشاءها.
وهدى الله أهل السنَّة لإثبات الحقِّ الذي عند كلا الطائفتين، وردِّ الباطل الذي ضلَّت فيه الطائفتان.
وقد أفضى بالقدريَّة قولهم إلى إنكار القدر، كما أفضى بالجبريَّة قولهم إلى إنكار الشرع، ولهذا فضَّل العلماء القدريَّة في هذا الباب على الجبريَّة؛ لأن إنكار الشرع شرٌّ من إنكار القدر.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فالمعتزلة ونحوهم من القدريَّة الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي، والوعد والوعيد خيرٌ من هؤلاء الجبريَّة القدريَّة الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي» (^١).
_________________
(١) التّدمرية (ص: ٢٣٥).
[ ٨١ ]