يقولون: إنَّ العباد فاعلون حقيقةً، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، والمصلِّي والصائم، وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم إرادةٌ، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (^١).
وقد يشكل على البعض؛ كيف يُقال: إن أفعال العباد هي من أفعالهم على الحقيقة، والله خالقها على الحقيقة؟
وهذا لا يشكل على مَنْ عرف حقيقة قول أهل السنَّة، وقد بين ذلك بوضوحٍ العلماء المحقِّقون، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله أعظم الجزاء.
قال الإمام البخاريُّ: «قال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص: ١٠٨).
[ ٥٣ ]
[الملك: ١٣ - ١٤]، يعنِي: السرَّ والجهر من القول، ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما مَنْ قال: خلق الربِّ تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته؛ قال: إن أفعال العباد مخلوقةٌ كسائر المخلوقات، ومفعولةٌ للرب كسائر المفعولات، ولم يقل: إنها نفس فعل الربِّ وخلقه، بل قال: إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة؛ فإنه يُقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتَّصف بها مَنْ كانت فعلًا له كما يفعلها العبد وتقوم به، ولا يتَّصف بها مَنْ كانت مخلوقةً له إذا كان قد جعلها صفةً لغيره؛ كما أنه سبحانه لا يتَّصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك» (^٢).
وقال ﵀: «وأما جمهور الخلق من أهل السنَّة وغيرهم؛ فيقولون: إن الخلق غير المخلوق، وفعل الله القائم به ليس هو مفعوله المنفصل عنه، ويقولون: أفعال العباد مخلوقةٌ لله مفعولةٌ له، لا أنها نفس خلقه ونفس فعله، وهي نفس فعل العبد، فهي فعل العبد حقيقةً لا مجازًا» (^٣).
وقال الإمام ابن القيِّم: «ويؤمنون بأن مَنْ يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا، والمصلِّي مصلِّيًا، والمتحرِّك متحرِّكًا … وهم متَّفقون على أن الفعل غير المفعول …، فحركاتهم واعتقادهم أفعالٌ لهم حقيقةً، وهي مفعولةٌ لله سبحانه مخلوقةٌ له
_________________
(١) خلق أفعال العباد (ص: ١١٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٣).
(٣) الصفدية (١/ ١٥٣). وانظر: منهاج السّنة (١/ ٤٥٩ - ٤٦٠) و(٢/ ٢٩٨).
[ ٥٤ ]
حقيقةً، والذي قام بالربِّ ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم؛ فهم المسلمون المصلُّون القائمون القاعدون حقيقةً، وهو سبحانه المُقْدِر لهم على ذلك» (^١).
وبهذا يتبيَّن أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى باعتبار علم الله بها وكتابتها ومشيئتها وخلقه لها في العبد، وهي من فعل العبد باعتبار قيامه بها ومباشرته إيَّاها بما خلق الله فيه من قدرة وإرادة.
ولهذا فرَّق الأئمَّة بين الفعل والمفعول؛ فالفعل فعل العبد، وهو مخلوقٌ مفعولٌ للرب، وتصديق هذا من كلام الله قوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ فأخبر أنه خالقٌ لأعمال العباد، ولم يخبر أنه فاعلٌ لها، بل أخبر أنهم هم الفاعلون العاملون.