يعتقدون في ذلك ما دلت عليه الأدلَّة، فيقولون: إن الخلق لا يوجبون على الله شيئًا لا فعل الصلاح ولا الأصلح، ولا غير ذلك مما يدبِّره سبحانه من شؤون خلقه، فالخلق خلقه، والأمر أمره، لا يُسأل عما يفعل، ولا معقِّب لحُكْمه. قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ويقولون مع ذلك: إن الله له الحكمة البالغة فيما يخلق ويقدِّر، وفيما يأمر ويشرِّع. خلق العباد لحكمةٍ عظيمةٍ، وشرع الدين وهو مشتملٌ على الحكمة ومصالح العباد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٣٧).
[ ٩٣ ]
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
ويقولون: إن الله أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالى في وصف نبيِّه ﷺ: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والضرر الذي يلحق بعض المخلوقين إنما يحصل لهم لمخالفة أمره سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وهو ﵎ لتمام ملكه وعزَّته وقُدُّوسيَّته وحكمته تنزَّه عن كلِّ نقصٍ، وعامَّة المخلوقات تسبِّحه وتنزِّهه عن كلِّ نقصٍ، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١].
والله ﵎ حرَّم على نفسه الظلم، وهو لا يحبُّ الفساد، ولا يعذِّب العباد بغير جرمٍ، فلا يقع منه ما حرَّم سبحانه على نفسه بوعده الصادق.
قال تعالى في الحديث القدسيِّ: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» (^١). وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٧٢).
[ ٩٤ ]
وهو لعظيم رحمته وإحسانه كتب على نفسه الرحمة، ونصر المؤمنين، وأن الغلبة له ولرسله وجنده، وهو لا يخلف وعده، وكلُّ ذلك متحقِّقٌ لا محالة، قال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
وله سبحانه الحمد والفضل والمنَّة بما أوجب على نفسه، وله الثناء الحسن والشكر بما وفَّى من وعده. وهذا بخلاف حقِّه على العباد؛ فهو متعيِّنٌ عليهم، ويترتَّب على تركه الذمُّ والعقاب، فإن عذبهم على تقصيرهم فيه فبعدله وحكمته، وإن عفا عنهم فيه فبفضله وإحسانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحةٌ عامَّةٌ لمن فعله، وأن إرساله الرسل مصلحةٌ عامَّةٌ، وإن كان فيه ضررٌ على بعض الناس» (^١).
وقال ﵀: «وأما الإيجاب عليه ﷾ والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول القدريَّة، وهو قولٌ مبتدَعٌ مخالفٌ لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنَّة متَّفقون على أنه سبحانه خالق كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا؛ ولهذا كان من قال من أهل السنَّة بالوجوب؛ قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرَّم الظلم على نفسه،
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٤٦٢).
[ ٩٥ ]
لا أن العبد نفسه مستحقٌّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق» (^١).