قالوا: إن الشرَّ على نوعين:
النوع الأوَّل: (الشرُّ المطلق أو الكلِّيُّ)، وهو الشرُّ المحض الذي لا خير فيه بوجهٍ من الوجوه، فهذا لا يدخل في الوجود، بل هو معدومٌ لا يخلقه الله. فهذا ليس إليه، ولا يُضاف إليه تعالى، لا في أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، بل الله تعالى متنزِّهٌ عنه من كلِّ الوجوه نسبةً ووصفًا وفعلًا. وهذا هو المقصود بقول النبيِّ ﷺ: «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك» (^٢).
النوع الثاني: (الشرُّ النسبيُّ أو الجزئيُّ)، وهو الشرُّ الإضافيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ وشرٌّ باعتبارٍ آخر. وفيه خيرٌ ونفعٌ لبعض الناس وشرٌّ وضررٌ لآخرين،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١).
(٢) تقدم تخريجه (١٢٢).
[ ١٠٩ ]
فالله تعالى يخلق هذا النوع باعتبار الخير الراجح الذي فيه، لا باعتبار الشرِّ المرجوح الذي فيه. كخلق إبليس؛ فإنه ليس شرًّا محضًا، ففيه شرٌّ بالنسبة للكفَّار، وفيه خيرٌ للمؤمنين باعتبار وجود الكفر وما ترتَّب عليه من وجود الجهاد والصبر على الأذى الذي تميَّز به المؤمن من غيره، ورفع الله به درجات المؤمنين المجاهدين الصابرين في الجنَّة.
ولما كان خلق الله لهذا النوع باعتبار الخير الذي فيه؛ فإنه لا يُضاف إليه الشرُّ الجزئيُّ منه؛ فإن هذا موهمٌ أنه خلقه للشرِّ، وهذا قول الجبريَّة، وهو باطلٌ. فالشرُّ الذي فيه لا يُضاف إلى الله فعلًا ولا وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو قائمٌ به.
ومما يزيد هذا بيانًا وإيضاحًا: أن الأشياء باعتبار انقسامها إلى الخير والشرِّ على ثلاثة أقسامٍ:
الأوَّل: الخير المحض، فهذا يخلقه الله ويُضاف إليه.
والثاني: الشرُّ المحض، فهذا لا يخلقه الله ولا يُضاف إليه.
والثالث: النسبيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ وشرٌّ باعتبارٍ، يخلقه الله للخير الراجح الذي فيه فيُضاف إليه بهذا الاعتبار، ولم يخلقه للشرِّ الذي فيه فلا يُضاف إليه بهذا الاعتبار.
فالذي يُضاف إلى الله هو الخير، إما الخير المحض، أو النسبيُّ الإضافيُّ. وأما الشرُّ فليس إليه، لا المحض ولا الإضافيُّ. وهذا معنى قول النبيِّ ﷺ: «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك» (^١).
_________________
(١) تقدم تخريجه (١٢٢).
[ ١١٠ ]
ولهذا كان هذا النوع -وهو الشرُّ النسبيُّ- إنما يُذكَر في النصوص على ثلاثة وجوهٍ:
[١] إما بطريق العموم؛ كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
[٢] وإما بطريق إضافته إلى السبب؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢].
[٣] وإما أن يُحذَف فاعلُه، كقول الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].
فهذا هو معتقد أهل السنَّة في إضافة الشرِّ إلى الله، ذكرته ملخَّصًا مرتَّبًا من كلامي شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه الإمام المحقِّق ابن القيِّم. وها هي ذي بعض نصوصهما في تقريره.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما السيِّئة: فهو إنما يخلقها بحكمةٍ. وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه؛ فإن الربَّ لا يفعل سيِّئةً قطُّ. بل فعله كلُّه حسنٌ وحسناتٌ، وفعله كلُّه خيرٌ؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك»؛ فإنه لا يخلق شرًّا محضًا، بل كلُّ ما يخلقه ففيه حكمةٌ هو باعتبارها خيرٌ، ولكن قد يكون فيه شرٌّ لبعض الناس، وهو شرٌّ جزئيٌّ إضافيٌّ. فأما شرٌّ كلِّيٌّ، أو شرٌّ مطلقٌ؛ فالربُّ منزَّهٌ عنه، وهذا هو الشرُّ الذي ليس إليه. وأما الشرُّ الجزئيُّ الإضافيُّ: فهو خيرٌ باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يُضاف الشرُّ إليه مفردًا قطُّ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وإما أن يُضاف إلى السبب، كقوله ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يُحذَف فاعلُه، كقول الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. وهذا الموضع ضلَّ فيه فريقان
[ ١١١ ]
من الناس الخائضين في القدر بالباطل» (^١).
وقال ابن القيِّم ﵀: «وتحقيق الأمر: أن الشرَّ نوعان: شرٌّ محضٌ حقيقيٌّ من كلِّ وجهٍ، وشرُّ نسبيٌّ إضافيٌّ من وجهٍ دون وجهٍ. فالأوَّل لا يدخل في الوجود؛ إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرًّا محضًا. والثاني هو الذي يدخل في الوجود» (^٢).
وقال ﵀: «فإن الربَّ سبحانه لا يفعل سوءًا قطُّ، كما لا يُوصَف به، ولا يُسمَّى باسمه، بل فعله كلُّه حسنٌ وخيرٌ وحكمةٌ، كما قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال أعرف الخلق به: «والشرُّ ليس إليك» (^٣) فهو لا يخلق شرًّا محضًا من كلِّ وجهٍ، بل كلُّ ما خلقه ففي خلقه مصلحةٌ وحكمةٌ، وإن كان في بعضه شرٌّ جزئيٌّ إضافيٌّ. وأما الشرُّ الكلِّيُّ المطلق من كلِّ وجهٍ؛ فهو تعالى منزَّهٌ عنه، وليس إليه» (^٤).
وقال -في بيان قواعد الأسماء والصفات ﵀: «إن أسماءه كلُّها حسنى، ليس فيها اسمٌ غير ذلك أصلًا. وقد تقدَّم أن من أسمائه ما يُطلق عليه باعتبار الفعل -نحو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت-. وهذا يدلُّ على أن أفعاله كلُّها خيراتٌ محضةٌ لا شرَّ فيها؛ لأنه لو فعل الشرَّ لاشتُقَّ له منه اسمٌ، ولم تكن أسماؤه كلُّها حسنى، وهذا باطلٌ؛ فالشرُّ ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته؛ لا يدخل في أفعاله، فالشرُّ ليس إليه، لا يُضاف إليه فعلًا ولا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٤).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٥١٥).
(٣) تقدم تخريجه (١٢٢).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٤٨٥)، وانظر: مدارج السالكين (٢/ ١٩٤).
[ ١١٢ ]
وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمَّل هذا؛ فإنه خفي على كثيرٍ من المتكلِّمين، وزلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وهدى الله أهل الحقِّ لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ» (^١).