قالوا: الرضى بالقضاء فيه تفصيلٌ باعتبار متعلَّقه؛ فإن القضاء إما أن يتعلَّق (بالطاعات والمعاصي)، أو (بالمسرَّات والمصائب).
وحكم الرضى به على وجهين:
الوجه الأوَّل: ما يُرضى به من القضاء، وهو ما دلَّت النصوص على الرضى به.
وهو على قسمين:
القسم الأوَّل: ما يُقدَّر للعبد من الطاعات، فهذا يجب الرضى به؛ لأن الله رضي لنا الدين، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. والواجب على العبد أن يرضى بما رضي له ربُّه من الدين. كما أن العبد أيضًا مأمورٌ في نفسه بالرضى بالدين، ورضاه بدينه منزلةٌ عظيمةٌ توجِب له لذَّة الإيمان، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ من حديث العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «ذاق طعم الإيمان مَنْ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا» (^١).
فالرضى بما يقدِّره الله على العبد من فعل الطاعات مشروعٌ بل واجبٌ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤).
[ ١٣١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «والرضى بالقضاء ثلاثة أنواعٍ:
(أحدها): الرضى بالطاعات؛ فهذا طاعةٌ مأمورٌ بها.
و(الثاني): الرضى بالمصائب؛ فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ، وإما واجبٌ.
و(الثالث): الكفر والفسوق والعصيان؛ فهذا لا يُؤمر بالرضى به، بل يُؤمر ببغضه وسخطه؛ فإن الله لا يحبُّه ولا يرضاه» (^١).
وقال ﵀: «ولم يأمر بالرضى بالمقدور، ولكن أمر بالرضى بالمشروع.
فالمأمور به يجب الرضى به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]» (^٢).
وقال ابن القيِّم ﵀: «الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ وكونيٌّ؛ فالدينيُّ يجب الرضى به، وهو من لوازم الإسلام» (^٣).
القسم الثاني: ما يُقدَّر على العبد من النعم والمسرَّات، أو النقم والمصائب مما لا يدخل في اختياره، فهذا يُشرَع الرضى به. وقد احتُجَّ للرضى بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
قال علقمة بن قيسٍ: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيسلِّم ذلك ويرضى» (^٤).
ومن السنَّة: قول النبي ﷺ: «عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢)، جامع الرسائل (٢/ ١٠٦).
(٢) منهاج السنة (٣/ ٢٠٤).
(٣) شفاء العليل (٢/ ٧٦٢).
(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ١٢).
[ ١٣٢ ]
قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضى، ومَن سخط فله السخط» (^١).
وقال أبو الدرداء: «إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به» (^٢).
وقال عمر بن عبد العزيز: «أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر» (^٣).
وقد تقدَّم في كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة قوله: «الثاني: الرضى بالمصائب، فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ وإما واجبٌ» (^٤).
وقال في موطنٍ آخر: «وقد تنازع الناس في الرضى بالفقر والمرض والذلِّ ونحوها، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وأكثر العلماء على أن الرضى بذلك مستحبٌّ وليس بواجبٍ …
والقول الثاني: إنه واجبٌ؛ لأن ذلك من تمام رضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ ﷺ نبيًّا» (^٥).
والخلاف في وجوب الرضى أو استحبابه إنما هو فيما يُقدَّر من المصائب والبلاء، وأما ما يُقدَّر من النعم والمسرَّات؛ فالرضى به واجبٌ.
قال ابن القيِّم: «فنقول: الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ، وكونيٌّ …
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ح (٢١١٠).
(٢) ذكره ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (ص: ٤٧) رقم (٦)، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (ص: ٣٥)، وابن القيم في زاد المعاد (٤/ ١٧٨)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٦).
(٣) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٧).
(٤) تقدم ص (١٤٨).
(٥) منهاج السنة (٣/ ٢٠٤).
[ ١٣٣ ]
والكونيُّ منه ما يجب الرضى به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضى بها. ومنه ما لا يجوز الرضى به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره. ومنه ما يُستحَبُّ الرضى به، كالمصائب، وفي وجوبه قولان» (^١).
الوجه الثاني: ما يُقدَّر على العبد من الكفر والبدع والمعاصي؛ فهذا النوع فيه تفصيلٌ؛ فإن ما يقدِّره الله منها له وجهان:
الأوَّل: من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ فهي مكروهةٌ مسخوطةٌ، فلا يُشرَع الرضى بها، بل يُشرَع بغضها وسخطها؛ فإن الله يبغضها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، والكفر قد وقع من الناس فهو مقدَّرٌ، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وهذا أمرٌ موجودٌ مقدَّرٌ من أقوال العباد، وقد أخبر الله أنه لا يرضاه، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه؟ بل الواجب على العبد أن يبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضاه الله (^٢).
الثاني: من جهة كونها مخلوقةً للربِّ؛ فهي محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها وقدَّرها لحكمةٍ، فيُشرَع الرضى بقضائه وقدره، ومتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه، وهذا من تمام الرضى بالله ربًّا ومالكًا ومدبِّرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما الرضى بالمنهيَّات من الكفر والفسوق والعصيان؛ فأكثر العلماء يقولون: لا يُشرَع الرضى بها، كما لا تُشرَع محبَّتها؛ فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبُّها وإن كان قد قدَّرها وقضاها، كما قال
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٧٦٢).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٢٠٦).
[ ١٣٤ ]
سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. وقالت طائفةٌ: تُرضى من جهة كونها مضافةً إلى الله خلقًا، وتُسخَط من جهة كونها مضافةً إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصلٍ واحدٍ، وهو سبحانه إنما قدَّر الأشياء لحكمةٍ، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبةٌ مرضيَّةٌ، وقد تكون في نفسها مكروهةً ومسخوطةً؛ إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يُحَبُّ من أحدهما ويُكرَه من الآخر، كما في الحديث الصحيح: (ما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه) (^١)» (^٢).
وقال ﵀: «فالعبد يوافق ربَّه، فيكره الذنوب ويمقتها ويبغضها؛ لأن الله يبغضها ويمقتها، ويرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها، فهي من جهة فعل العبد لها مكروهةٌ مسخوطةٌ، ومن جهة خلق الربِّ لها محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارَّةٌ له موجِبةٌ له العذاب، فنحن ننكرها ونكرهها وننهى عنها كما أمرنا الله بذلك؛ إذ كان هو أيضًا سبحانه يسخطها ويبغضها، ونعلم أن الله أحدثها لما له في ذلك من الحكمة، فنرضى بقضائه وقدره. فمتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه. وأما من جهة كون العبد يفعلها؛ فلا بدَّ أن نكره ذلك وننهى
_________________
(١) حديث قدسي أخرجه البخاري (٦٥٠٢).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢).
[ ١٣٥ ]
عنه ونجتهد في دفعه بحسب إمكاننا، فإن هذا هو الذي يحبُّه الله منا» (^١).