قالوا: إن الاستطاعة نوعان:
الأولى: (استطاعةٌ متقدِّمة على الفعل)، ومرجعها: إلى الصحَّة، وسلامة الجوارح، وارتفاع الموانع. وهي المصحِّحة للفعل، المجوِّزة له. وهي صالحةٌ للضدَّين الفعل والترك.
ودليلها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
[آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحجُّ إلا على مَنْ حجَّ، ولما وجب على أحدٍ من التقوى إلا ما فعل فقط.
وهذه الاستطاعة متعلقةٌ بالأوامر الشرعيَّة الدينيَّة، وهي مناط الأمر والنهي، وبها يحصل الثواب والعقاب، وعليها يتكلَّم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس (^١).
الثانية: (استطاعةٌ مقارنةٌ للفعل)، ومرجعها إلى التوفيق، وإعانة الله للعبد على الفعل. وهي الموجبة للفعل، المحقِّقة له. وهي لا تصلح لغيره.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٣ - ٣٧٢)، والفصل (٣/ ٢٠).
[ ١٤١ ]
ودليلها: قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١].
وهذه الاستطاعة متعلِّقةٌ بالأوامر الكونيَّة الخلقيَّة التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقَّق وجود الفعل الكونيِّ (^١).
وقد قرر الأئمة المحققون من أهل السنة نوعي الاستطاعة وذكروا الفرق بينهما:
قال الإمام الطحاويُّ: «والاستطاعة التي يجب بها الفعل -من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به-؛ تكون مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلَّق الخطاب» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة بعد نقله الأقوال في الاستطاعة: «والصواب الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة: أن الاستطاعة متقدِّمةٌ على الفعل ومقارنةٌ له أيضًا، وتقارنه أيضًا استطاعةٌ أخرى لا تصلح لغيره. فالاستطاعة «نوعان»: متقدِّمةٌ صالحةٌ للضدَّين، ومقارنةٌ لا تكون إلا مع الفعل. فتلك هي المصحِّحة للفعل المجوِّزة له، وهذه هي الموجِبة للفعل المحقِّقة له» (^٣).
وذكر ﵀ في موطن آخر- أن هذا هو قول المحقِّقين من أهل السنَّة وغيرهم، قال: «وأما الذي عليه المحقِّقون من أئمَّة الفقه والحديث والكلام
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين.
(٢) الطحاوية مع شرحها (ص: ٤٣٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٢)، وانظر: الفتاوى الكبرى (١/ ١٤٧).
[ ١٤٢ ]
وغيرهم؛ فإثبات النوعين جميعًا» (^١).