يثبتون الأسباب، ويقولون: إن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها، وليس لها تأثير الخلق والإبداع، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ تصحِّحها وأخرى تمانعها، والمُسَبَّبُ لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه جميع أضداده المعارضة له، والله هو المتفرِّد بخلقها وإيجادها أو إعدامها (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمَّة أهل السنَّة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها؛ والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضدادٌ تمانعها، والمسبَّب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات. فقدرة العبد سببٌ من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بدَّ من
_________________
(١) انظر: الصفدية (١/ ١٦٢)، ورفع الشبهة والغرر لمرعي الكرمي (ص: ٤٥).
[ ١٧٧ ]
الإرادة الجازمة مع القدرة. وإذا أُرِيد بالقدرة القوَّة القائمة بالإنسان؛ فلا بدَّ من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصادِّ عن السبيل كالعدوِّ وغيره» (^١).
وقال ﵀: «يُقال: هل قدرة العبد المخلوقة مؤثِّرةٌ في وجود فعله؟ .. فنقول: التأثير اسم مشتركٌ، قد يُراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحُّد بالاختراع. فإن أُرِيد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة؛ فحاشا لله، لم يقله سنِّيٌّ، وإنما هو المعزوُّ إلى أهل الضلال.
وإن أُرِيد بالتأثير نوع معاونةٍ -إما في صفةٍ من صفات الفعل، أو في وجهٍ من وجوهه، كما قاله كثيرٌ من متكلِّمي أهل الإثبات-؛ فهو أيضًا باطلٌ بما به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرَّةٍ أو فيلٍ، وهل هو إلا شركٌ دون شركٍ؟ وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحقِّ. وإن أُرِيد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسُّط القدرة المحدَثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سببٌ وواسطةٌ في خلق الله ﷾ الفعلَ بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسبَّبات والمخلوقات بوسائط وأسبابٍ؛ فهذا حقٌّ» (^٢).
وقال ﵀: «فينبغي أن يُعرَف في الأسباب ثلاثة أمورٍ:
أحدها: أن السبب المعيَّن لا يستقلُّ بالمطلوب، بل لا بدَّ معه من أسبابٍ أخر، ومع هذا فلها موانع.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٧٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٩).
[ ١٧٨ ]
الثاني: لا يجوز أن يُعتقَد أن الشيء سببٌ إلا بعلمٍ. فمن أثبت سببًا بلا علمٍ أو بخلاف الشرع كان مبطلًا، كمن يظنُّ أن النذر سببٌ في رفع البلاء.
الثالث: أن الأعمال الدينيَّة لا يجوز أن يُتَّخذ شيءٌ منها سببًا للدنيا إلا أن تكون مشروعةً؛ فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع، فلا يجوز أن يُشرِك بالله فيدعو غيره، وإن ظنَّ أن ذلك سببٌ في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع، وإن ظنَّ في ذلك ثوابًا» (^١).