قالوا: إن العبد لا قدرة له على عمله، ولا إرادة ولا اختيار له فيه، وأن العباد مجبورون على أفعالهم، وحركاتُهم فيها كحركة الأشجار عند مهبِّ الريح، وكحركة المرتعش، وكنبض العروق، وأنهم مجبورون على الطاعة والمعصية، وإنما تُنسَب أفعالهم إليهم على سبيل المجاز، وهو على حسب ما يُضاف الشيء إلى محلِّه، دون ما يُضاف إلى محصِّله، بِمَنْزلة قول القائل: مات، وكبِر، وسال الوادي، وطلعت الشمس (^٣).
أدلَّتهم:
استدلَّ الجبريَّة لقولهم ببعض الأدلَّة، زعموا دلالتها على قولهم، منها:
[١] قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، قالوا: نفى الله عن نبيِّه الرمي، وأثبته لنفسه؛ فدلَّ على أنه لا صنع للعبد.
[٢] قوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: «لا يَدْخلُ أحدٌ منكم الجنةَ بعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله منه برحمةٍ وفضلٍ» (^٤).
_________________
(١) تقدّم تخريجه (ص: ٥٨).
(٢) خلق أفعال العباد (ص: ٢٤).
(٣) انظر: الفرق بين الفرق (ص: ٢١١)، وشفاء العليل (١/ ١٩٨)، وشرح الطحاوية (ص: ٦٣٩).
(٤) أخرجه بهذا اللّفظ: أحمد (١٢/ ٤٤٩) ح (٧٤٧٩)، وأخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦).
[ ٥٩ ]
قالوا: دلَّ الحديث على أن الجزاء غير مترتِّبٍ على الأعمال؛ فدلَّ على أن العبد لا عمل له (^١).
الردُّ عليهم:
أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]؛ فهذه الآية حجَّةٌ عليهم، ويظهر هذا ببيان مناسبة نزولها ومعناها.
أورد ابن كثيرٍ في تفسيره عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «رفع رسول الله ﷺ يديه -يعنِي: يوم بدرٍ- فقال: «يا ربِّ، إِنْ تهلك هذه العصابةُ فلن تُعبد في الأرض أبدًا»، فقال له جبريل: «خذ قبضةً من التراب فارم بها في وجوههم»، فأخذ قبضةً من التراب فرمى بها في وجوههم؛ فما من المشركين أحدٌ إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه ترابٌ من تلك القبضة، فولَّوا مدبرين».
وعن محمَّد بن كعبٍ القرظِيِّ قال: «لما دنا القوم بعضهم من بعضٍ؛ أخذ رسول الله ﷺ قبضةً من ترابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه»، فدخلت في أعينهم كلِّهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم …» (^٢).
والله تعالى أثبت لرسوله رميًا بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ فعُلِم أن المثبَت غير المنفيِّ، وذلك أن الرمي له ابتداءٌ وانتهاءٌ، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكلٌّ منهما يُسَمَّى رميًا.
فالمعنَى حينئذٍ -والله تعالى أعلم-: وما أصبتَ إذ حذفتَ، ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صلَّيتَ إذ صلَّيتَ ولكن الله صلَّى، أو ما صمتَ
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٦٤١).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٣١).
[ ٦٠ ]
إذ صمتَ، وما أكلتَ إذ أكلتَ، وما شربتَ إذ شربتَ.
ومعلوم أن الإصابة لجيش كاملٍ بكفٍّ من ترابٍ؛ أن هذا فوق قدرة البشر، وإن كان أصل الرمي من النَّبِيِّ ﷺ.
فبطل زعم الجبريَّة، ودلَّت الآية على مذهب أهل السنَّة (^١).
وأما استدلالهم بالحديث: «لا يدخل أحدٌ منكم الجنَّةَ بعَمَلِهِ»، وأن الجزاء لا يترتَّب على العمل؛ فلا حجَّة لهم فيه؛ فالباء في الحديث (باء العوض)، والحديث دلَّ على نفي أن يكون العمل ثمنًا لدخول الجنَّة.
قال شارح الطحاويَّة: «وأما ترتُّب الجزاء على الأعمال؛ فقد ضلَّت فيه الجبريَّة والقدريَّة، وهدى الله له أهل السنَّة، وله الحمد والمنة؛ فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات؛ فالمنفيُّ في قوله ﷺ: «لن يدخل الجنَّة أحدٌ بعمله» (باء العوض)، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحقُّ دخول الجنَّة على ربِّه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله.
والباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ونحوها (باء السبب)، أي: بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسبَّبات، فرجع الكلُّ إلى محض فضل الله ورحمته» (^٢).
[٣] الأدلَّة الدالَّة على أن العباد فاعلون على الحقيقة، وأن لهم مشيئةً واختيارًا على أفعالهم بعد مشيئة الله تعالى:
(أ) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ
_________________
(١) انظر: مدارج السّالكين (٣/ ٤٢٦)، وشرح الطحاوية (ص: ٦٤٢).
(٢) شرح الطحاوية (ص: ٦٤٣).
[ ٦١ ]
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]؛ فأسند الله عمل الخير والشرِّ إلى العبد؛ فدلَّ على أنه مِنْ كسبه، وأنه سبحانه سيجازيه به.
(ب) قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقد أثبت الله تعالى للعبد فعلًا وكسبًا، والكسب هو الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضررٌ (^١).
(ج) قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]، فقد أنكر الله تعالى على المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، وتحريم ما حرَّموا، وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: بهذه الشبهة ضلَّ مَنْ ضل، ووصفهم بأنهم متَّبعون للظنِّ، وأن لله عليهم الحجَّة البالغة؛ فدلَّ على أن هذه الأعمال من الشرك وتحريم ما حرَّموا من أعمالهم ليس لهم أن يحتجُّوا عليها بالقدر (^٢).