عرَّفوا الظلم بأنه: إضرار غيرِ مستحقٍّ (^٣).
وقال القاضي عبد الجبَّار: «الظلم: كلُّ ضررٍ لا نفع فيه، ولا دفع ضررٍ» (^٤).
وقالوا: الظلم الذي يتنزِّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، ثم زعموا أن خلقه لأفعال العباد وإرادته لأعمالهم وتعذيبه للعاصي ظلمٌ منه يتنزَّه عنه، ونفوا كلَّ ذلك عنه بدعوى العدل، وسمَّوا أنفسهم العدليَّة (^٥).
_________________
(١) يعني الحديث القدسيَّ: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي …».
(٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٣) جامع الرسائل (١/ ١٢٧).
(٤) شرح الأصول الخمسة (ص: ٣٣٤).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٨)، ومنهاج السنة (٥/ ٩٦).
[ ١٢٠ ]
وأكثرهم يقولون بقدرة الله على الظلم والجور ولكنه لا يظلم ولا يجور، كما حكاه عنهم الأشعريُّ (^١).
قال القاضي عبد الجبَّار: «وأحد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلمٌ وجورٌ، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا» (^٢).
وقال ابن حزمٍ في نقد معتقدهم: «الكلام في التعديل والتجوير: وهذا الباب هو أصل ضلالة المعتزلة نعوذ بالله من ذلك، على أننا رأينا منهم مَنْ لا يرضى عن قولهم فيه، وذلك أن جمهورهم قالوا: وجدنا مَنْ فَعَل الجور في الشاهد كان جائرًا، ومَن فَعَل الظلم كان ظالمًا، ومَن أعان فاعلًا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرًا عابثًا. قالوا: والعدل من صفات الله تعالى، والظلم والجور منفيَّان عنه. قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقال تعالى ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٠]، وقال تعالى ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدلٌ لا يجور ولا يظلم، ومَن وَصَفَه ﷿ بالظلم والجور فهو كافرٌ. ولكن ليس هذا على ما ظنَّه الجهَّال من أن عقولهم حاكمةٌ على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسَّنت عقولهم وأنه يقبح منه تعالى ما قبَّحت عقولهم، وهذا هو تشبيهٌ مجرَّدٌ لله تعالى بخلقه؛ إذ حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه في العقل
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٠).
(٢) شرح الأصول الخمسة (ص: ٣٣٤).
[ ١٢١ ]
بما يحكم علينا» (^١).
وقال الشهرستانيُّ في سياق نقله معتقد المعتزلة: «واتَّفقوا على أن العبد قادرٌ خالقٌ لأفعاله خيرها وشرِّها، مستحقٌّ على ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة، والربُّ تعالى منزَّهٌ أن يُضاف إليه شرٌّ وظلمٌ وفعلٌ هو كفرٌ ومعصيةٌ؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالمًا، كما لو خلق العدل كان عادلًا» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في حكاية معتقدهم وقولهم-: «إن الظلم منه هو نظير الظلم من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، وشبَّهوه ومثَّلوه في الأفعال بأفعال العباد، حتى كانوا هم ممثِّلة الأفعال، وضربوا لله الأمثال، ولم يجعلوا له المثل الأعلى، بل أوجبوا عليه وحرَّموا ما رأوا أنه يجب على العباد ويحرم بقياسه على العباد، وإثبات الحكم في الأصل بالرأي، وقالوا عن هذا: إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، والتزموا أنه لا يقدر أن يَهدِي ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا من هذا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ وخصَّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالمًا. إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلمًا. وكذلك ظنُّوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدَّرًا ظلمٌ له، ولم يفرِّقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومَن لم يقم، وإن كان ذلك الاستحقاق خلقه لحكمةٍ أخرى عامَّةٍ أو خاصَّةٍ» (^٣).
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٥٦).
(٢) الملل والنحل (١/ ٤٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٨).
[ ١٢٢ ]