قالوا: الرضى بالقضاء مأمورٌ به، فنحن نرضى به. ولكن الكفر والذنوب ليست مقضيَّةً ولا مقدَّرةً من الله، وليست محبوبةً ولا مرضيَّةً له، فلا نرضى بها ولا نحبُّها، بل نسخطها ونبغضها.
وهذا بناءً على أصلهم أن الإرادة والمشيئة مستلزمةٌ للمحبَّة والرضى. قالوا: ونحن نعلم أن الله تعالى لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤها ولا يقدِّرها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها.
فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها.
قال القاضي عبد الجبَّار: «وأحد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي: هو أنه تعالى لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبَّة والرضى والإرادة من بابٍ واحدٍ، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل: أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت؛ حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُدَّ متناقضًا. فهذا جملة الكلام في ذلك» (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٦٥ - ٢٦٤).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٦١).
(٣) شرح الأصول الخمسة (ص: ٤٥٣).
[ ١٣٧ ]
وقال الإمام ابن القيِّم: «وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه.
قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله؛ إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان أو متَّحدان» (^١).
وقال ﵀: «فقالت القدريَّة النفاة: الرضى بالقضاء طاعةٌ وقربةٌ، والرضى بالمعاصي لا يجوز، فليست بقضائه وقدره» (^٢).