قالوا: إنه يخلق ويأمر لحكمةٍ مخلوقةٍ منفصلةٍ عنه، من غير أن يعود إليه من ذلك حكمٌ ولا قام به فعلٌ ولا نعتٌ، وهذه الحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك (^٢).
قال القاضي عبد الجبَّار: «إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلَّةٍ، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حَسُن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول مَنْ قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلَّةٍ، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا، لا لوجهٍ تقتضيه الحكمة وذلك -أي: نقص من يفعل لا لغرض- ظاهر في الشاهد» (^٣).
ثم رتَّبوا على ذلك مسائل عظيمةً رأوها لازمةً لمعتقدهم في هذه المسألة:
ومن ذلك: إنكارهم قدرة الله على أعمال العباد، وزعموا أن العباد يطيعون ويعصون دون أن يكون لله مشيئةٌ في أفعالهم، وأنه تعالى لا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا، وأنه يجب عليه أن يفعل الصلاح والأصلح لكلِّ عبدٍ، ولو فعل غير هذا لتنافى مع حكمته وإحسانه لعباده، بل زعموا أن خلاف هذا عبثٌ يجب أن يتنزَّه الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدريَّة دخلوا في التعليل على طريقةٍ فاسدةٍ مثَّلوا الله
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٩).
(٢) انظر: الفصل (٣/ ٥٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٨) (٨/ ٨٩)، ومجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٢٠).
(٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل (١١/ ٩٢).
[ ٨٩ ]
فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمةً تعود إليه، فسلبوه قدرته وحكمته ومحبَّته وغير ذلك من صفات كماله … وأثبتوا حسنًا وقبحًا لا يتضمَّن محبوبًا ولا مكروهًا، وهذا لا حقيقة له، كما أثبتوا تعليلًا لا يعود إلى الفاعل حكمه» (^١).
وقال ابن القيِّم ﵀: «أهل البدع من المعتزلة والقدريَّة الذين يوجبون على ربِّهم مراعاة الأصلح لكلِّ عبدٍ -وهو الأصلح عندهم وفي ظنهم-، فيشرِّعون له شريعةً بعقولهم، ويحجِّرون عليه ويحرِّمون عليه أن يخرج عنها، ويوجبون عليه القيام بها، وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيهًا للخالق بالمخلوق في أفعاله، وأعظمهم تعطيلًا له عن صفات كماله، فنزَّهوه عن صفات الكمال وشبَّهوه بخلقه في الأفعال، وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة بآراء الرجال، وسمَّوا ذلك عدلًا وتوحيدًا بالزور والبهتان» (^٢).