قالوا: الظلم هو التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حقِّ الله تعالى (^٢).
وقالوا: إن الظلم ممتنعٌ عليه، وهو مستحيلٌ في حقِّه سبحانه، كالجمع بين النقيضين، وليس هو داخلًا في اختياره ومشيئته.
ويقولون: كلُّ ما يمكن فهو عدلٌ غير ظلمٍ، ولو عذَّب المطيعين ونعَّم العصاة لم يكن ظالمًا؛ لأن الظلم التصرُّف فيما ليس له، والله تعالى له كلُّ شيءٍ، أو هو مخالفة الأمر، والله لا آمر له (^٣).
قال الإسفرايينيُّ: «ولهذا قلنا: إن شيئًا من أفعاله لا يكون ظلمًا، وأنه
_________________
(١) جامع الرسائل (١/ ١٢٣) (١/ ١٢٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٣ - ١٤١).
(٢) جامع الرسائل (١/ ١٢٧)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٥).
(٣) انظر: منهاج السنة (١/ ١٣٥)، جامع الرسائل (١/ ١٢٧)
[ ١١٨ ]
سبحانه يستحيل الظلم في وصفه؛ لأنه لا يتصرَّف في غير ملكه، ومن تصرَّف في ملكه لم يتقرَّر عليه الاعتراض في فعله، ومَن تصرَّف في ملكه فليس بظالمٍ في أفعاله» (^١).
وقال ابن حزمٍ: «وأنه لا يلزم لأحدٍ على الله تعالى حقٌّ ولا حجَّةٌ، ولله تعالى على كلِّ مَنْ دونه وما دونه الحقُّ الواجب والحجَّة البالغة، لو عذَّب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلَّدين؛ لكان ذلك له، ولكان عدلًا وحقًّا منه، ولو نعَّم إبليس والكفَّار في الجنَّة مخلَّدين؛ كان ذلك له، وكان حقًّا وعدلًا منه، وإن كلَّ ذلك إذ أباه الله تعالى وأخبر أنه لا يفعله صار باطلًا وجورًا وظلمًا» (^٢).
وقال الشهرستانيُّ -في حكاية قول الأشعريَّة في المسألة-: «وهو المالك في خلقه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنَّة؛ لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار؛ لم يكن جورًا، إذ الظلم هو التصرُّف فيما لا يملكه المتصرِّف، أو وضع الشيء في غير موضعه. وهو المالك المطلق؛ فلا يُتصوَّر منه ظلمٌ، ولا يُنسَب إليه جورٌ» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في حكاية قولهم -بعد ذكره لقول المعتزلة في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله-: «فعارض هؤلاء آخرون من أهل الكلام المثبتين للقدر، فقالوا: ليس للظلم منه حقيقةٌ يمكن وجودها، بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوز أن يكون مقدورًا، ولا أن يُقال: إنه هو تاركٌ له باختياره ومشيئته، وإنما هو من باب الجمع بين الضدَّين، وجعل الجسم الواحد في مكانين، وقلب
_________________
(١) التبصير في الدين (ص: ١٦٩).
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٦٠).
(٣) الملل والنحل (١/ ١٠١).
[ ١١٩ ]
القديم محدَثًا والمحدَث قديمًا، وإلا فمهما قُدِّر في الذهن وكان وجوده ممكنًا -والله قادرٌ عليه- فليس بظلمٍ منه؛ سواءٌ فعله أو لم يفعله.
وتلقَّى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء وأهل الحديث من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم ومن شرّاح الحديث ونحوهم، وفسَّروا هذا الحديث (^١) بما ينبني على هذا القول. وربَّما تعلَّقوا بظاهرٍ من أقوالٍ مأثورةٍ، كما رُوِّينا عن إياس بن معاوية أنه قال: «ما ناظرت بعقلي كلِّه أحدًا إلا القدريَّة، قلت لهم: ما الظلم؟ قالوا: أن تأخذ ما ليس لك، أو أن تتصرَّف فيما ليس لك. قلت: فلله كلُّ شيءٍ». وليس هذا من إياسٍ إلا ليبيِّن أن التصرُّفات الواقعة هي في ملكه، فلا يكون ظلمًا بموجَب حدِّهم» (^٢).