أنكروا الأسباب، وزعموا أنه ليس للأسباب تأثيرٌ على المسبَّبات، وبالغوا في ذلك حتى أنكروا الأسباب المحسوسة، فقالوا: ليس للنار أثرٌ في الإحراق، ولا للخبز أثرٌ في الإشباع، ولا للماء أثرٌ في الرِّيِّ. وقالوا: إن الله يفعل عندها لا بها؛ فيقولون: إن الله لا يُحرِق بالنار، وإنما يخلق الإحراق عند اشتعال النار، ولا يُشبِع بالخبز، وإنما يخلق الإشباع عند أكل الخبز، ولا يُروِي بالماء، وإنما يخلق الرِّيَّ عند شرب الماء (^٢).
وهؤلاء كما أنكروا الأسباب الكونيَّة؛ فقد أنكروا أيضًا الأسباب الشرعيَّة التي جعلها الله سببًا للثواب والعقاب.
وهذا بناءً على أصلهم في إنكار (الحكمة والتعليل في أفعاله سبحانه)، وأن الله تعالى (لا يفعل لحكمةٍ)، فلا يخلق شيئًا لشيءٍ، و(لا يخلق بسببٍ)، فلا يُوجِد شيئًا بشيءٍ (^٣).
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية (ص: ٢٦٨ - ٢٦٩)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٤٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٢٨٧)، جامع الرسائل (١/ ٨٧)، شفاء العليل (٢/ ٤٥٩)، (٢/ ٥٧٤).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٩٢)، شفاء العليل (٢/ ٥٣٤).
[ ١٧٩ ]
وأوَّل مَنْ أظهر ذلك في الإسلام الجهم بن صفوان الذي أجمعت الأمَّة على ضلالته فإنه أوَّل مَنْ أنكر الأسباب والطبائع، كما أنه أوَّل مَنْ ظهر عنه القول بنفي الصفات، وأوَّل مَنْ قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في بيان معتقدهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة: «ومن الناس مَنْ ينكر القوى والطبائع -كما هو قول أبي الحسن، ومَن اتَّبعه من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم-. وهؤلاء المنكرون للقوى والطبائع ينكرون الأسباب أيضًا، ويقولون: إن الله يفعل عندها لا بها؛ فيقولون: إن الله لا يُشبِع بالخبز، ولا يُروِي بالماء، ولا يُنبِت الزرع بالماء، بل يفعل عنده لا به. وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنَّة وإجماع السلف، مع مخالفة صريح العقل والحسِّ» (^٢).
وقال الإمام ابن القيِّم في هذا المعنى: «وهؤلاء الجهميَّة ومَن قال بقولهم يقولون ما يخالف صريح المعقول من وجود مفعولٍ بلا فعلٍ، ومخلوقٍ بلا خلقٍ … وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة في الماء يروي بها، وليس في الأجسام أصلًا لا قوىً ولا طبائع، ولا في العالم شيءٌ يكون سببًا لشيءٍ آخر البتَّة. وإن لم تكن هذه الأمور جحدًا للضروريَّات؛ فليس في العالم مَنْ جحد الضروريَّات» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في بيان قولهم في إنكار الأسباب الشرعيَّة: «قد ظنَّ طائفةٌ ممن تكلَّم في أعمال القلوب أن التوكُّل لا يحصل به جلب
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٩٢).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٧).
(٣) شفاء العليل (٢/ ٤٥٩).
[ ١٨٠ ]
منفعةٍ ولا دفع مضرَّةٍ، بل ما كان مقدَّرًا بدون التوكُّل فهو مقدَّرٌ مع التوكُّل، ولكن التوكُّل عبادةٌ يُثاب عليها من جنس الرضى بالقضاء … ويقولون ذلك في جميع العبادات. وهذا قول مَنْ ينفي الأسباب في الخلق والأمر، ويقول: إن الله يفعل عندها لا بها. وهو قول طائفةٍ من متكلِّمي أهل الإثبات للقدر
- كالأشعريِّ وغيره-، وهو قول طائفةٍ من الفقهاء الصوفيَّة» (^١).
وقال ابن القيِّم: «وصرَّح هؤلاء أن التوكُّل والدعاء عبوديَّةٌ محضةٌ، لا فائدة لهما إلا ذلك، ولو ترك العبد التوكُّل والدعاء ما فاته شيءٌ مما قُدِّر له. ومن غلاتهم مَنْ يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة؛ إذ هو مضمون الحصول» (^٢).
الرد عليهم:
كلامهم هذا باطل مردود بالأدلة من الكتاب والسنَّة وإجماع علماء الأمَّة، بل بطلانه معلومٌ بالعقل والفطر السليمة والواقع.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ومَن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرَّد اقترانٍ عاديٍّ كاقتران الدليل بالمدلول؛ فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوَّةً تمتاز بها عن الخدِّ تبصر بها، ولا في القلب قوَّةً يمتاز بها عن الرِّجل يعقل بها، ولا في النار قوَّةً تمتاز بها عن التراب تحرق بها. وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز. قال بعض الفضلاء: تكلَّم قومٌ من الناس في
_________________
(١) جامع الرسائل (١/ ٨٧).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١١٩).
[ ١٨١ ]
إبطال الأسباب والقوى والطبائع؛ فأضحكوا العقلاء على عقولهم. ثم إن هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان أن يقول إنه شبع بالخبز، ورَوِي بالماء، بل يقول: شبعت عنده، ورَوِيت عنده؛ فإن الله يخلق الشِّبَع والرِّيَّ ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادةً لا بها. وهذا خلاف الكتاب والسنَّة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، وقال ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] …».
إلى أن قال ﵀ بعده ذكره جملةً من نصوص الكتاب والسنَّة: «ومثل هذا كثير، ونظير هؤلاء الذين أبطلوا الأسباب المقدَّرة في خلق الله: مَنْ أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله؛ كالذين يظنُّون أن ما يحصل بالدعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك من الخيرات إن كان مقدَّرًا حصل بدون ذلك، وإن لم يكن مقدَّرًا لم يحصل بذلك» (^١).
وقال في موطنٍ آخر: «والناس يعلمون بحسِّهم وعقلهم أن بعض الأشياء سببٌ لبعضٍ، كما يعلمون أن الشِّبَع يحصل بالأكل لا بالعدِّ، ويحصل بأكل الطعام لا بأكل الحصى، وأن الماء سببٌ لحياة النبات والحيوان، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وأن الحيوان يروى بشرب الماء
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٦ - ١٣٨). وانظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٦).
[ ١٨٢ ]
لا بالمشي، ومثل ذلك كثيرٌ» (^١).