قالوا: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده، وإن أطلقوا لفظها فلا يعنون به معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة.
وقالوا: خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلَّةٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ، بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصِرْف الإرادة (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وكذلك الحكمة؛ أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوفٌ بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك.
فقالت طائفةٌ: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة …» إلى أن قال بعد ذكر الأقوال في المسألة: «وأصحاب القول الأوَّل كجهم بن صفوان وموافقيه، كالأشعريِّ ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم؛ يقولون: ليس في القرآن لام التعليل في أفعال الله، بل ليس فيه إلا لام العاقبة» (^٣).
وقال الإسفرايينيُّ: «إنه ﷾ حكيمٌ في جميع أفعاله، وحقيقة الحكمة في أفعاله ﷾: وقوعها موافقةً لعلمه وإرادته، وهو الحكمة في أفعال الحكماء في الشاهد؛ لأن مَنْ فعل فعلًا لا يقع على موافقة إرادته؛ يُقال: إنه لم
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٥٣٧).
(٢) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١١٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧) (١٦/ ٢٩٧)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٢٨).
(٣) منهاج السنة (١/ ١٤١).
[ ٨٧ ]
يرتِّبه على حكمةٍ منه فيه، فإذا حصل مراده فيه؛ يُقال: إنه حكيمٌ في فعله» (^١).
وقال ابن حزمٍ: «وأما الله تعالى فلا طاعة لأحدٍ عليه، فبطل أن تكون أفعاله جاريةً على أحكام العبيد المأمورين المربوبين المسؤولين عما يفعلون، لكن أفعاله تعالى جاريةٌ على العزَّة والقدرة والجبروت والكبرياء والتسليم له، وأنه لا يُسأل عما يفعل ولا مزيد» (^٢).
واحتجَّ أصحاب هذا القول بحجَّتين:
إحداهما: أن ذلك يستلزم التسلسل، فإنه إذا فعل لعلَّةٍ، فتلك العلَّة أيضًا حادثةٌ، فتفتقر إلى علَّةٍ. وهكذا إلى غير نهاية، وهو باطل.
وجواب هذه الشبهة: أن هذا التسلسل هو في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلًا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل، والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل، فإن نعيم الجنة وعذاب النار دائمان مع تجدد الحوادث فيهما، وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان (^٣).
الثانية: قالوا: مَنْ فعل لعلَّةٍ كان مستكملًا بها، والمستكمل بغيره ناقصٌ بنفسه، وذلك ممتنعٌ على الله (^٤).
والجواب عن هذه الشبهة: أن الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له، فإن حكمته قائمةٌ به كسائر صفاته، فثبوت حكمته لا يستلزم استكماله
_________________
(١) التبصير في الدين (ص: ١٦٨).
(٢) الفصل (٣/ ٩٨).
(٣) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤٦).
(٤) انظر: المصدر نفسه (١/ ١٤٥).
[ ٨٨ ]
بغيرٍ منفصلٍ عنه (^١).