قالوا: إن العبد قادرٌ على فعل نفسه، وله فيه المشيئة الكاملة، والقدرة التامَّة، وأن مشيئته وقدرته مستقلَّةٌ عن إرادة الله وقدرته، وأن العباد خالقون لأعمالهم وأفعالهم، وأنها ليست مخلوقةً لله (^٢).
قال القاضي عبد الجبَّار -وهو من أئمَّة القدريَّة-: «اتَّفق كلُّ أهل العدل على أن أفعال العباد مِنْ تصرُّفهم وقيامهم وقعودهم حادثةٌ من جهتهم، وأن الله ﷻ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن مَنْ قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه» (^٣).
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٢٠١).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميّين (١/ ٢٩٨)، وشفاء العليل (١/ ١٩٣)، وشرح الطّحاوية (ص: ٦٣٩، ٦٤٠).
(٣) المغنِي في أبواب العدل والتّوحيد (٨/ ٣).
[ ٥٥ ]
وقال ابن المرتضى: «وأجمعوا -أي: المعتزلة- أن فعل العبد غير مخلوقٍ فيه» (^١).
أدلَّتهم:
استدلَّ القدريَّة لقولهم ببعض الأدلَّة، زعموا دلالتها على معتقدهم، منها:
[١] قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قالوا: أثبت الله خالقِين متعدِّدين؛ فدلَّ على أن العبد خالقٌ لفعل نفسه، والله أحسن الخالقين.
[٢] قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤، والواقعة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. قالوا: رتَّب الجزاء على العمل؛ فدلَّ على أن العبد قادرٌ على فعله، ولهذا جُوزي به، ولو لم يكن قادرًا عليه لما جُوزي به.
الردُّ عليهم:
[١] أما استدلالهم بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ فمعنَى الآية: أحسن المصوِّرين المقدِّرين.
والخلق يُذكَر ويُراد به: التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، أي: خالق كلِّ شيءٍ مخلوقٍ؛ فدخلت أفعال العباد في عموم (كل).
والمعنَى الثانِي للخلق: الإيجاد والإبداع (^٢).
قال الأزهريُّ: «الخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثالٍ لم يُسبَق إليه.
وقال أبو بكرٍ الأنباريُّ: الخلق في كلام العرب على ضربين:
_________________
(١) المنية والأمل (ص: ٦).
(٢) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٦٤١، ٦٤٣).
[ ٥٦ ]
أحدهما: الإنشاء على مثالٍ أبدعه.
والآخر: التقدير.
وقال في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. معناه: أحسن المقدِّرين، وكذلك قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، أي: تقدِّرون كذبًا.
قال الأزهريُّ: العرب تقول: خلقت الأديم؛ إذا قدَّرته وقِسْتَه لتقطع منه مَزَادةً أو قِرْبةً أو خُفًّا.
وقال زُهيرٌ:
ولأنت تفْري ما خلقتَ وبع … ض القوم يَخْلُق ثم لا يفري
يمدح رجلًا، فيقول له: أنتَ إذا قَدَّرْتَ أمرًا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدِّر ما لا يقطعه» (^١).
[٢] أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤، والواقعة: ٢٤]، وترتُّب الجزاء على العمل؛ فجوابه:
أن الباء في الآية هي باء (السبب)، أي: بسبب أعمالكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسبَّبات؛ فرجع الأمر كلُّه إلى فضل الله ورحمته. وهذا على قولٍ لأهل العلم في تفسير الآية.
وعلى قولٍ آخر: أن دخول الجنَّة برحمة الله، ولكن اقتسام المنازل بحسب الأعمال؛ قال ابن عُيينة: «كانوا يرون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة بفضله، واقتسام المنازل بالأعمال» (^٢).
[٢] دلالة الأدلَّة على أن أفعال العباد مخلوقةٌ منها:
_________________
(١) تهذيب اللّغة (١/ ١٠٩٣).
(٢) انظر: حادي الأرواح (ص: ٧٢ - ٧٣)، والمحجّة في سير الدّلجة لابن رجب (ص: ٢٧).
[ ٥٧ ]
(أ) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ فأخبر الله أنه خلق الخلق وأعمالهم.
قال البغوي ﵀: «﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام، وفيه دليلٌ على أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى» (^١).
وقال ابن كثيرٍ ﵀: «يحتمل أن تكون «ما» مصدريَّةً، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازمٌ، والأوَّل أظهر» (^٢).
(ب) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، والزمر: ٦٢]؛ فدخلت أعمال العباد في عموم (كل).
وما أفسد قول المعتزلة في إدخالهم (كلام الله) الذي هو صفته في عموم (كل) في الآية! فزعموا أنه مخلوقٌ، وأخرجوا (أعمال العباد) من عموم (كل) مع كونها مخلوقةً (^٣).
(ج) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]؛ فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل، وهي الدروع والثياب المصنوعة، ومادَّتها لا تُسمَّى سرابيل إلا بعد أن تحيلها صنعة الآدميِّين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولةً لله فهي مخلوقةٌ له بجملتها: صورتها ومادَّتها وهيئتها (^٤).
(د) حديث حُذيفة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «إن الله خالق كلِّ صانعٍ
_________________
(١) تفسير البغوي (٧/ ٤٥).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦).
(٣) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٦٤٣).
(٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٠٦).
[ ٥٨ ]
وصنعتَه»، وفي بعض الروايات: «إن الله يصنع كلَّ صانعٍ وصنعتَه» (^١)؛ فدلَّ الحديث على أن الله تعالى خالقٌ للأعمال مع الذوات.
قال البخاريُّ عقبه: «فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقةٌ» (^٢).